تقرير خاص| المنشر_الاخباري
في خطوة تحمل دلالات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود التعاون التقليدي بين ثلاث دول، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة «اتفاقية للدفاع المشترك»، تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُنظر إليه باعتباره هجومًا على الجميع.
ويأتي الاتفاق في لحظة شديدة الحساسية إقليميًا، تتداخل فيها تداعيات الحرب في غزة، والتوترات بين إسرائيل والقوى الإقليمية، والتطورات العسكرية في سوريا ولبنان وإيران، مع تصاعد النقاش حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
ورغم تأكيد المسؤولين الأتراك والباكستانيين أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها، فإن توقيته والجهات المشاركة فيه يفتحان الباب أمام قراءة أوسع: هل بدأت السعودية وتركيا وباكستان بناء مظلة أمنية إقليمية جديدة، أم أن الاتفاق لا يزال في حدود الإعلان السياسي والتنسيق الدفاعي؟
اتفاق دفاعي بطابع استراتيجي
أهمية «ميثاق مكة» لا تكمن فقط في توقيعه بين ثلاث دول ذات ثقل سياسي وعسكري، وإنما في صيغة الالتزام التي يتضمنها.
فالتعامل مع الهجوم على إحدى الدول الأعضاء باعتباره هجومًا على الدول الأخرى ينقل العلاقات الدفاعية من مستوى التعاون الثنائي أو التدريبات المشتركة إلى مفهوم أكثر قربًا من الردع الجماعي.
غير أن الاتفاق، وفق المعطيات المعلنة حتى الآن، لم يحدد بصورة تفصيلية طبيعة الالتزامات العسكرية التي ستترتب على الدول الثلاث في حال تعرض إحداها لهجوم. كما لم يوضح حجم القوات التي يمكن نشرها أو آليات اتخاذ القرار المشترك أو شكل القيادة العسكرية الموحدة.
ولهذا فإن تشبيه الاتفاق بحلف شمال الأطلسي «الناتو» يحتاج إلى قدر من التحفظ. فالناتو يمتلك بنية عسكرية ومؤسسات قيادة متكاملة تراكمت على مدى عقود، بينما لا يزال الاتفاق السعودي–التركي–الباكستاني في مرحلته الأولى.
لكن مجرد تبني مبدأ الدفاع الجماعي يمنح الاتفاق قيمة سياسية واستراتيجية لا يمكن تجاهلها.
الخوف من إسرائيل.. العامل غير المعلن؟
يرى الكاتب والمعلق الأمريكي أنسار فاروقي أن الدافع الأساسي وراء التقارب الجديد لا يرتبط بإيران بقدر ما يرتبط بالمخاوف من إسرائيل.
وقال فاروقي، في تصريحات نقلتها «برس تي في»، إن سياسات التحالف لدى القوى العربية السنية باتت مدفوعة بالخوف من إسرائيل، مشيرًا إلى أن السعودية وتركيا، ولا سيما أنقرة، تشعران بقلق متزايد تجاه الخطط والتحركات الإسرائيلية في المنطقة.
وأشار إلى أن الحديث عن احتمال مواجهة إسرائيلية–تركية، بما في ذلك سيناريوهات تستهدف القدرات الجوية التركية، ساهم في زيادة المخاوف لدى أنقرة.
وتكتسب هذه القراءة أهمية في ظل التوتر المتزايد بين تركيا وإسرائيل بشأن ملفات عدة، من بينها غزة وسوريا والنفوذ الإقليمي ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
لكن من الضروري التمييز بين تحليل الدوافع وبين الموقف الرسمي للدول الموقعة.
فتركيا لم تعلن أن إسرائيل هي العدو الذي يستهدفه الاتفاق، كما أكد مسؤولون أتراك أن الترتيب الدفاعي لا يستهدف دولة محددة. ولذلك فإن القول إن «ميثاق مكة» تحالف عسكري ضد إسرائيل يبقى قراءة تحليلية، وليس توصيفًا رسميًا للاتفاق.
إيران.. الغائب الحاضر
إذا كانت إسرائيل تمثل أحد عناصر البيئة الاستراتيجية الجديدة، فإن إيران تبقى حاضرة في الحسابات الإقليمية، حتى وإن لم تُذكر في الاتفاق باعتبارها طرفًا مستهدفًا.
فالسعودية وإيران دخلتا خلال السنوات الماضية في مسار لتخفيف التوتر، بينما تحتفظ تركيا بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع طهران، كما أن باكستان ترتبط بإيران بحدود مشتركة وعلاقات تاريخية.
ومن الصعب، بالتالي، تصور تحالف سعودي–تركي–باكستاني صريح ومعلن ضد إيران دون أن يفرض ذلك تكاليف سياسية وأمنية كبيرة على الدول الثلاث.
لكن ذلك لا يعني أن إيران غير موجودة في الحسابات الاستراتيجية. فالأمن الخليجي، وأمن الملاحة، والتطورات في العراق وسوريا، ومستقبل التوازنات العسكرية في المنطقة، كلها ملفات تجعل طهران جزءًا أساسيًا من أي نقاش حول إعادة تشكيل الأمن الإقليمي.
ولهذا تبدو الصياغة الحالية للاتفاق ذكية سياسيًا: إنشاء إطار للدفاع الجماعي من دون تحديد خصم مباشر.
تركيا.. نحو دور أمني يتجاوز حدود الناتو
بالنسبة إلى تركيا، يمثل الاتفاق فرصة لتعزيز موقعها كقوة إقليمية مستقلة ذات نفوذ عسكري وسياسي متزايد.
فأنقرة عضو في حلف الناتو، لكنها في الوقت نفسه تسعى منذ سنوات إلى توسيع هامش تحركها الاستراتيجي، وبناء علاقات أمنية واقتصادية مع قوى خارج الإطار الغربي التقليدي.
وتملك تركيا جيشًا كبيرًا، وخبرة عملياتية في عدد من ساحات المنطقة، إضافة إلى صناعة دفاعية متطورة، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة والصناعات الجوية والأنظمة العسكرية.
أما الشراكة مع السعودية وباكستان، فتمنح أنقرة إطارًا جديدًا للتعاون يجمع بين قدراتها العسكرية، والثقل الاقتصادي والسياسي السعودي، والخبرة العسكرية الباكستانية.
السعودية.. تنويع الخيارات الأمنية
بالنسبة إلى الرياض، يأتي الاتفاق ضمن اتجاه أوسع نحو تنويع الشراكات الدولية والإقليمية.
فالسعودية ما زالت مرتبطة بعلاقات دفاعية وثيقة مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى بناء شبكة علاقات متعددة، بحيث لا تعتمد منظومتها الأمنية على طرف واحد.
ومن هذه الزاوية، يوفر الاتفاق للرياض شراكة مع قوتين إقليميتين تمتلكان قدرات عسكرية مختلفة.
تركيا تقدم قاعدة صناعية ودفاعية متقدمة، بينما تمتلك باكستان خبرة عسكرية واسعة وعلاقات دفاعية تاريخية مع السعودية.
وهكذا يجمع الاتفاق بين المال والنفوذ السعودي، والقوة العسكرية والصناعية التركية، والخبرة العسكرية الباكستانية.
باكستان.. البعد الآسيوي في المعادلة
وجود باكستان يمنح الاتفاق بُعدًا يتجاوز الشرق الأوسط.
فإسلام آباد دولة نووية وتمتلك جيشًا كبيرًا وخبرة طويلة في إدارة الأزمات والصراعات العسكرية، كما ترتبط بعلاقات وثيقة مع السعودية.
لكن باكستان في الوقت نفسه تتحرك ضمن شبكة معقدة من المصالح تشمل إيران والهند والصين والولايات المتحدة.
ولهذا فإن مشاركتها في الاتفاق لا تعني بالضرورة استعدادها للدخول في مواجهة مع أي طرف إقليمي، وإنما تعكس رغبة في تعزيز التعاون الدفاعي مع حليفين مهمين، والحفاظ على موقعها في ترتيبات الأمن الإقليمي المتغيرة.
مصر.. الحلقة التي قد تغير المعادلة
ربما تكون مصر أهم دولة غائبة عن الصيغة الحالية.
فالقاهرة تمتلك ثقلًا عسكريًا وسياسيًا كبيرًا، وموقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، فضلًا عن السيطرة على قناة السويس ودورها التاريخي في القضايا العربية والإقليمية.
ولهذا يرى محللون أن انضمام مصر يمكن أن يغير طبيعة الاتفاق بصورة كبيرة.
وقد قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن مصر يمكن أن تنضم مستقبلًا بعد معالجة بعض المسائل الفنية، مشيرًا إلى أن دولًا أخرى أبدت اهتمامًا بالترتيب الأمني الجديد.
وإذا انضمت مصر، فإن المعادلة ستتغير من تحالف ثلاثي إلى إطار يمتد من جنوب آسيا إلى الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
وهنا قد يبدأ الحديث فعليًا عن منظومة أمن إقليمية جديدة.
هل يمثل الاتفاق جبهة ضد إسرائيل؟
من الناحية العسكرية، تمتلك الدول الثلاث قدرات كبيرة، لكن تحويل هذه القدرات إلى قوة مشتركة يحتاج إلى أكثر من اتفاق سياسي.
فالتحالف العسكري الفعال يتطلب قيادة مشتركة، وتكاملًا استخباراتيًا، وأنظمة اتصال موحدة، وتنسيقًا لوجستيًا، وتدريبات مشتركة، وقواعد واضحة للتعامل مع الأزمات.
وهذه العناصر لم تتبلور بعد بالشكل الذي يجعل الاتفاق قوة عسكرية موحدة.
لذلك قد يكون من الأدق وصف «ميثاق مكة» بأنه خطوة باتجاه بناء قدرة ردع جماعية، وليس جبهة عسكرية مكتملة ضد إسرائيل.
لكن حتى بهذا المعنى، يحمل الاتفاق رسالة سياسية مهمة: دول المنطقة تريد امتلاك خيارات أمنية أكبر وعدم الاعتماد بصورة كاملة على القوى الخارجية.
واشنطن أمام واقع إقليمي جديد
التحول لا يقتصر على إسرائيل وإيران.
فالولايات المتحدة تظل اللاعب الأمني الخارجي الأبرز في المنطقة، لكن السنوات الأخيرة شهدت نقاشًا متزايدًا حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي، وحول قدرة واشنطن على تقديم ضمانات أمنية طويلة الأمد لجميع حلفائها.
ومن هنا يمكن النظر إلى الاتفاق السعودي–التركي–الباكستاني باعتباره جزءًا من اتجاه أوسع نحو تعدد مصادر الأمن.
فالدول الثلاث لا تبدو مستعدة للتخلي عن علاقاتها مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى ألا تكون تلك العلاقات الخيار الأمني الوحيد.
ميثاق مكة.. بداية التحول أم مجرد رسالة سياسية؟
الاختبار الحقيقي للاتفاق سيبدأ بعد توقيعه.
فإذا انتقلت الدول الثلاث إلى إنشاء آليات عسكرية مشتركة، وتكثيف المناورات، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون في الصناعات الدفاعية، وتحديد إجراءات واضحة للتعامل مع أي هجوم، فقد يتحول الميثاق إلى مؤسسة أمنية ذات تأثير حقيقي.
أما إذا بقي في إطار البيانات السياسية والتنسيق الدبلوماسي، فقد يظل تأثيره محدودًا.
وتبقى مسألة انضمام مصر ودول أخرى العامل الأكثر أهمية في تحديد مستقبل المشروع.
«ميثاق مكة» ليس بعدُ حلفًا عسكريًا متكاملًا، لكنه يمثل تطورًا مهمًا في خريطة التحالفات الإقليمية.
فالتحالف الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان يضم ثلاث قوى ذات أوزان مختلفة لكنها متكاملة: الثقل الاقتصادي والسياسي السعودي، والقدرة العسكرية والصناعية التركية، والخبرة العسكرية والاستراتيجية الباكستانية.
وبينما تؤكد الدول الثلاث أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها، يرى محللون أن المخاوف من تنامي القوة الإسرائيلية والتغيرات في البيئة الأمنية للمنطقة ساهمت في دفع هذه الدول نحو إعادة ترتيب حساباتها.
أما إيران، فرغم غيابها عن نص الاتفاق باعتبارها خصمًا، فإنها تظل جزءًا لا يمكن تجاهله من المعادلة الأمنية الإقليمية.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الأهم ليس فقط: من يستهدف ميثاق مكة؟
بل: هل يستطيع هذا الميثاق أن يتحول من اتفاق دفاعي إلى منظومة أمنية قادرة على إعادة رسم ميزان القوى في المنطقة؟
الإجابة ستتحدد في المرحلة المقبلة، خصوصًا إذا انضمت مصر أو دول أخرى، وإذا انتقل التعاون من مستوى التصريحات السياسية إلى بناء قدرات عسكرية مشتركة.
ومن مكة قد تكون بدأت بالفعل محاولة جديدة لإعادة تعريف الأمن الإقليمي، في منطقة لم تعد تريد أن تترك مستقبل توازناتها العسكرية والسياسية رهينة لقوة واحدة.










