كييف – المنشر_الاخباري
وجّه الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، اليوم الاثنين، تهنئة إلى الشعب الأوكراني بمناسبة الذكرى الـ35 لاستقلال أوكرانيا، داعياً إلى الحفاظ على الروابط التاريخية بين الشعبين وإمكانية استعادة التعاون بين مينسك وكييف مستقبلاً، في وقت تواصل فيه بيلاروسيا تعزيز شراكتها السياسية والعسكرية مع موسكو.
وقال لوكاشينكو في رسالة التهنئة إن الشعبين البيلاروسي والأوكراني تجمعهما، بحسب وصفه، تقاليد تاريخية مشتركة وذكريات عن انتصارات واختبارات صعبة، معرباً عن اعتقاده بأن الأجيال المقبلة ستتمكن من الحفاظ على علاقات الصداقة والروابط العائلية بين الشعبين، رغم الاضطرابات الجيوسياسية الحالية.
كما تحدث عن إمكانية أن تستعيد مينسك وكييف التعاون المتبادل على أساس الثقة والاحترام والمساواة، متمنياً للشعب الأوكراني السلام والازدهار.
لكن تصريحات لوكاشينكو تأتي في سياق متناقض مع الواقع السياسي والعسكري بين البلدين، إذ لعبت بيلاروسيا منذ بداية الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022 دوراً مهماً في دعم موسكو. فقد سمحت مينسك للقوات الروسية باستخدام الأراضي البيلاروسية كنقطة انطلاق للهجوم على شمال أوكرانيا، كما استخدمت القوات الروسية الأراضي والمجال الجوي والبنية التحتية البيلاروسية خلال العمليات العسكرية.
لوكاشينكو: بيلاروسيا تنخرط أكثر في مواجهة روسيا
وفي اليوم نفسه، تحدث لوكاشينكو بنبرة مختلفة تماماً خلال اجتماعه في مينسك مع حاكم مقاطعة أرخانغيلسك الروسية ألكسندر تسيبولسكي، مشدداً على أهمية تعميق التعاون بين بيلاروسيا وروسيا.
وقال إن قدرات بيلاروسيا في التعاون مع روسيا تزداد، مؤكداً أن البلدين بحاجة إلى استغلال إمكاناتهما المشتركة وعدم انتظار حلول من الخارج. كما ركز الاجتماع على توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري بين مينسك والمناطق الروسية.
وتكشف هذه التصريحات عن استمرار اعتماد بيلاروسيا على موسكو، حتى في الوقت الذي يحاول فيه لوكاشينكو إرسال رسائل أكثر انفتاحاً تجاه المجتمع الأوكراني.
وتأتي تصريحات لوكاشينكو بشأن التعاون المحتمل مع كييف في يوم الاحتفال بالاستقلال الأوكراني، بينما تستضيف العاصمة كييف عدداً من القادة والمسؤولين الأوروبيين الذين جددوا دعمهم لأوكرانيا في مواجهة روسيا. وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في كلمة بهذه المناسبة، أن بلاده تريد السلام لكنها لن تقبل سلاماً يقوم على الاستسلام أو التخلي عن سيادتها.
بيلاروسيا بين كييف وموسكو
ويرى مراقبون أن رسالة لوكاشينكو إلى الأوكرانيين تحمل بعداً سياسياً واضحاً، خصوصاً أنها تتحدث عن استعادة التعاون والثقة بين البلدين من دون الإشارة إلى الدور الذي لعبته بيلاروسيا في الحرب الروسية على أوكرانيا.
وتشير تقارير أوكرانية إلى أن الأراضي البيلاروسية استُخدمت في فبراير 2022 لشن الهجمات الروسية على الأراضي الأوكرانية، كما أُطلقت صواريخ من بيلاروسيا باتجاه أهداف داخل أوكرانيا. وتواصل روسيا كذلك استخدام الأراضي البيلاروسية ضمن ترتيباتها العسكرية والأمنية مع مينسك.
وفي المقابل، يحرص لوكاشينكو على التأكيد أمام موسكو أن بيلاروسيا لن تتخلى عن شراكتها الاستراتيجية مع روسيا. ويظهر ذلك بوضوح في تصريحاته الأخيرة حول تنامي قدرات التعاون بين البلدين، وفي استمرار التنسيق السياسي والعسكري بينهما.
وتضع هذه المعادلة كييف أمام موقف صعب، إذ إن أي حديث عن استعادة العلاقات مع مينسك سيحتاج إلى تغييرات كبيرة في البيئة السياسية والأمنية، وفي مقدمتها وقف الدعم البيلاروسي للعمليات الروسية وضمان عدم استخدام الأراضي البيلاروسية مجدداً ضد أوكرانيا.
وفي الوقت نفسه، فإن حديث لوكاشينكو عن إمكانية استعادة التعاون لا يعني وجود مفاوضات مباشرة بين مينسك وكييف أو اتفاق وشيك لإعادة العلاقات. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات على تحول سياسي كبير في العلاقة بين البلدين.
ويبدو أن الرسالة تحمل في جانب منها محاولة للإبقاء على باب التواصل مفتوحاً مع الشعب الأوكراني، مع استمرار بيلاروسيا في تحالفها الوثيق مع روسيا. ولذلك فإن التناقض بين دعوة لوكاشينكو إلى الصداقة مع أوكرانيا وتصريحاته المتزامنة بشأن تعزيز التعاون مع موسكو يعكس تعقيدات موقع بيلاروسيا في الحرب المستمرة.
وفي المحصلة، يبعث لوكاشينكو برسالتين متوازيتين في اليوم نفسه: الأولى إلى أوكرانيا تتحدث عن التاريخ المشترك وإمكانية استعادة التعاون، والثانية إلى روسيا تؤكد استمرار الشراكة وتعاظم أهمية بيلاروسيا ضمن المعادلة الإقليمية.










