ماكسيميليان كراه يصل إلى شمال قبرص بدعوة من رئيس البرلمان زيّا أوزتوركلر، بعد رفض لجنتين برلمانيتين ألمانيتين للزيارة.. والنائب الألماني يوجه انتقادات حادة لمن يرفضون رؤية الواقع على الأرض ويدعو إلى حوار مباشر لحل القضية القبرصية.
لندن – المنشر_الاخباري
في خطوة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز حدود الزيارة البرلمانية، وصل النائب الألماني ماكسيميليان كراه، عضو حزب البديل من أجل ألمانيا، إلى شمال قبرص، بدعوة من رئيس البرلمان هناك زيّا أوزتوركلر، في تحرك أعاد قضية الجزيرة المقسمة إلى دائرة الاهتمام الأوروبي.
وتأتي الزيارة بعدما واجهت خطط سابقة لنواب ألمان لزيارة المنطقة معارضة داخل البرلمان الألماني، حيث رُفضت طلبات الزيارة مرتين من لجنة حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية في البوندستاغ، بحسب تقارير محلية وتصريحات كراه نفسه.
لكن كراه قرر في النهاية الوصول إلى الجزيرة، ليصبح وجوده في الشمال رسالة سياسية بحد ذاته، خصوصًا أنه لم يكتفِ بزيارة المنطقة، بل تحدث بصورة مباشرة عن ضرورة الاطلاع على أوضاع القبارصة الأتراك والاستماع إلى روايتهم، منتقدًا ما وصفه بإحجام بعض الأطراف عن القدوم ورؤية الواقع على الأرض.
كراه: هناك من لا يريد رؤية الواقع
خلال اجتماعه مع أوزتوركلر وممثل القبارصة الأتراك لدى الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا حسن طعقوي، قال كراه إن هناك أشخاصًا “لا يريدون القدوم إلى هنا ورؤية الواقع والتحدث عنه”.
وأضاف أن أي محاولة حقيقية للوصول إلى حل للقضية القبرصية تتطلب أن يجلس طرفا النزاع معًا وأن يناقشا الملفات العالقة بصورة مباشرة، بدل استمرار التعامل مع القضية من خلال المواقف السياسية المتباعدة.
وقال كراه إنه يدرك البعد التاريخي لما مر به القبارصة الأتراك، مؤكدًا أن الصعوبات التي يواجهونها، وفق روايته، لا يمكن تجاهلها، خصوصًا في مجالات السفر والمشاركة في المنافسات الرياضية الدولية.
واعتبر أن استمرار الوضع الحالي لا يخدم الاستقرار، محذرًا من أن الاضطرابات في المنطقة لا تؤثر فقط على الجزيرة، بل يمكن أن تكون لها انعكاسات أوسع على الأمن الإقليمي والتنمية الاقتصادية.
لماذا كانت الزيارة مثيرة للجدل؟
الجدل حول زيارة كراه لم يبدأ عند وصوله إلى شمال قبرص، وإنما بدأ قبل ذلك بكثير.
ففي يوليو الماضي، قال النائب الألماني إن طلبه وزميله أخيم كولر زيارة المنطقة قوبل بالرفض مرتين من لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الألماني.
وفي تصريحات سابقة، انتقد كراه قرار الرفض، معتبرًا أن منع النواب من الاطلاع المباشر على الأوضاع في الجزيرة لا يساعد على فهم القضية القبرصية.
وكان كراه قد أشار في وقت سابق إلى أنه وزميله قدما طلبين للقيام بزيارة عمل، إلا أن الطلبين لم يحصلا على الموافقة.
وبالتالي، فإن الزيارة الحالية تحمل بعدًا إضافيًا: فهي ليست مجرد زيارة إلى منطقة متنازع عليها، وإنما جاءت بعد مواجهة سياسية داخل المؤسسة البرلمانية الألمانية بشأن ما إذا كان ينبغي للنواب الذهاب إلى هناك أصلًا.
أوزتوركلر: يجب أن يرى العالم ما يحدث
رئيس البرلمان في شمال قبرص زيّا أوزتوركلر رحب بالزيارة، واعتبر أن تواصل كراه مع المؤسسات والشخصيات في المنطقة يمكن أن يساعد في نقل وجهة نظر القبارصة الأتراك إلى أوروبا وألمانيا.
وقال إن الزيارة من شأنها تسليط الضوء على ما وصفه بالعزلة والعقبات التي يواجهها القبارصة الأتراك منذ سنوات، داعيًا برلمانيين من دول مختلفة إلى زيارة المنطقة والاطلاع على الأوضاع بأنفسهم.
وتعكس هذه التصريحات استراتيجية سياسية واضحة من جانب القبارصة الأتراك، تقوم على محاولة توسيع الاتصالات الخارجية مع شخصيات سياسية وبرلمانية، في ظل محدودية الاعتراف الدولي بالإدارة الموجودة في شمال الجزيرة.
كما دعا أوزتوركلر إلى إقامة اتصالات مباشرة مع القبارصة الأتراك، معتبرًا أن الزيارات الميدانية يمكن أن تمنح البرلمانيين الأجانب فرصة لتكوين صورة مستقلة عن واقع الجزيرة.
قضية السفر والرياضة في صدارة الحديث
من أبرز الملفات التي طرحها كراه خلال زيارته مسألة القيود المفروضة على القبارصة الأتراك في عدد من المجالات الدولية.
وقال إن وضعهم، بحسب تقييمه، غير مقبول، مشيرًا إلى الصعوبات المتعلقة بالسفر والمشاركة في البطولات الرياضية الدولية.
وتعد هذه القضية واحدة من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى القبارصة الأتراك، إذ إن الوضع السياسي في شمال الجزيرة يؤثر على طبيعة علاقاتهم الدولية وعلى إمكانية مشاركتهم بصورة مباشرة في عدد من المؤسسات والأنشطة الدولية.
ولهذا، يحاول الجانب القبرصي التركي استخدام هذه الملفات لإثبات أن آثار الانقسام لا تقتصر على السياسة، وإنما تمتد إلى الحياة اليومية والاقتصاد والرياضة والسفر.
كراه: أريد أن أكون جزءًا من الحل
النائب الألماني لم يطرح الزيارة باعتبارها جولة استطلاعية فقط، بل ربطها بصورة مباشرة بمستقبل القضية القبرصية.
وقال إنه يعتقد أن عدد الأشخاص الذين يريدون الوصول إلى حل أكبر من عدد الذين يريدون منع الحل، مضيفًا أنه يريد أن يكون جزءًا من هذا المسار.
وهذه التصريحات تمنح الزيارة طابعًا سياسيًا واضحًا، لكنها في الوقت نفسه لا تعني وجود تغيير رسمي في سياسة ألمانيا أو الاتحاد الأوروبي تجاه القضية القبرصية.
فموقف نائب واحد، حتى لو كان عضوًا في البرلمان الألماني، لا يمثل بالضرورة موقف الحكومة الألمانية أو المؤسسات الأوروبية.
لكن أهمية الزيارة تكمن في أنها تفتح مساحة للنقاش حول سؤال أوسع: هل يمكن للسياسيين الأوروبيين التعامل مع القضية القبرصية بصورة كاملة من دون زيارة شمال الجزيرة والاستماع مباشرة إلى القبارصة الأتراك؟
من هو ماكسيميليان كراه؟
كراه هو نائب في البرلمان الألماني عن حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، وكان عضوًا في البرلمان الأوروبي منذ عام 2019 قبل انتقاله إلى البوندستاغ.
وتأتي زيارته في وقت يحظى فيه الحزب باهتمام واسع داخل ألمانيا وأوروبا بسبب مواقفه السياسية المثيرة للجدل.
كما سبق لكراه أن تحدث بصورة علنية عن ضرورة إعادة النظر في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع شمال قبرص، وهو ما جعله شخصية مثيرة للاهتمام بالنسبة إلى الجانب القبرصي التركي.
وفي تصريحات سابقة، ذهب كراه إلى أبعد من الدعوة إلى الحوار، إذ تحدث عن ضرورة الاعتراف بالمؤسسات التي أنشأها القبارصة الأتراك، وهو موقف يتجاوز الموقف الأوروبي التقليدي من القضية.
أزمة عمرها عقود
تأتي هذه التطورات على خلفية انقسام الجزيرة منذ عقود.
فالقضية القبرصية لا تزال واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في شرق المتوسط، حيث تتداخل فيها قضايا السيادة والأمن والحدود والملكية وحقوق السكان والعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي.
وفي الوقت الذي تدعم فيه أنقرة القبارصة الأتراك، فإن المجتمع الدولي يعترف بجمهورية قبرص التي تسيطر على الجزء الجنوبي من الجزيرة، بينما لا يحظى الكيان الموجود في الشمال باعتراف دولي واسع.
وهذا الوضع جعل أي تحرك سياسي أجنبي في الشمال شديد الحساسية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمسؤول أو نائب من دولة عضو في الاتحاد الأوروبي.
هل تمثل الزيارة تحولًا ألمانيًا؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن زيارة كراه تمثل تحولًا رسميًا في السياسة الألمانية.
لكنها بالتأكيد تفتح نقاشًا سياسيًا جديدًا.
فمن جهة، يرى القبارصة الأتراك أن التواصل المباشر مع النواب الأوروبيين يمكن أن يساعد في نقل وجهة نظرهم وكسر ما يعتبرونه عزلة سياسية.
ومن جهة أخرى، قد ينظر خصوم هذا المسار إلى الزيارة باعتبارها خطوة تمنح شرعية سياسية إضافية للإدارة في شمال الجزيرة، حتى لو لم تكن اعترافًا رسميًا بها.
وهنا تكمن حساسية المشهد: الزيارة لا تغير الوضع القانوني للجزيرة، لكنها قد تؤثر في طريقة النقاش الأوروبي حولها.
خطوة رمزية أم بداية لمسار جديد؟
زيارة كراه تبدو حتى الآن أقرب إلى تحرك سياسي فردي منها إلى تحول في السياسة الأوروبية.
لكنها تحمل قيمة رمزية كبيرة، خاصة بعد رفض الزيارة مرتين في ألمانيا.
فالنائب الذي واجه اعتراضًا داخل البرلمان وصل في النهاية إلى المنطقة التي أراد زيارتها، واجتمع مع مسؤوليها، وكرر أمامهم دعوته إلى الحوار المباشر.
أما الجانب القبرصي التركي، فقد حصل على فرصة جديدة لعرض قضيته أمام شخصية سياسية ألمانية، وربما استخدام الزيارة للضغط من أجل مزيد من الاتصالات الأوروبية مستقبلاً.
وفي النهاية، قد لا تكون زيارة ماكسيميليان كراه قادرة وحدها على تغيير مسار القضية القبرصية، لكنها أعادت طرح سؤال ظل حاضرًا لسنوات:
هل يمكن الوصول إلى حل سياسي حقيقي من دون أن يجلس جميع الأطراف على الطاولة، ومن دون أن يرى الوسطاء والسياسيون الأوروبيون الواقع على الأرض بأنفسهم؟
بالنسبة إلى كراه، الإجابة واضحة: الحوار يبدأ عندما يتوقف السياسيون عن الاكتفاء بالنظر إلى الجزيرة من بعيد، ويذهبون إليها بأنفسهم.










