طهران – المنشر_الاخباري
صعّد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف لهجته تجاه الإدارة الأمريكية، منتقداً تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بشأن موجة جديدة من العقوبات المفروضة على إيران، ومسلطاً الضوء على ما وصفه بتناقض لافت بين الحديث عن «يوم النصر الاقتصادي» والتحذير في الوقت نفسه من تداعيات الضغط المالي على الاقتصاد العالمي.
وجاءت تصريحات قاليباف بعد إعلان واشنطن إجراءات عقابية جديدة تستهدف إيران وشبكات مرتبطة بها، في إطار حملة اقتصادية تقول الإدارة الأمريكية إنها تهدف إلى تقليص قدرة طهران على الوصول إلى مصادر التمويل والعملات الأجنبية، وفرض ضغوط إضافية على صادرات النفط والتعاملات المالية الإيرانية.
وفي منشور عبر منصة «إكس»، تناول قاليباف تصريحات بيسنت بسخرية، مشيراً إلى أن الوزير الأمريكي استخدم تعبير «Economic D-Day» لوصف الحملة الاقتصادية، قبل أن يواجه سؤالاً من أحد الصحفيين بشأن دلالة المقارنة بعملية إنزال الحلفاء في نورماندي عام 1944.
ورد بيسنت، بحسب الاقتباس الذي أورده قاليباف، متسائلاً عن سبب رغبته في «تفجير النظام المالي العالمي»، وهي العبارة التي اعتبرها رئيس البرلمان الإيراني دليلاً على وجود تناقض في الخطاب الأمريكي.
وقال قاليباف مخاطباً الوزير الأمريكي: «هذه ليست نورماندي، هذه ليلة ارتجال وقد نسيت نصك»، في تعليق حمل طابعاً ساخراً على الطريقة التي تقدم بها واشنطن حملتها الاقتصادية ضد طهران.
عقوبات جديدة في مواجهة إيران
وتأتي المواجهة الكلامية في وقت تكثف فيه الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية على إيران، بعدما اتجهت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى توسيع نطاق العقوبات لتشمل كيانات وأفراداً وسفناً وشبكات مالية يُعتقد أنها مرتبطة بالتجارة الإيرانية.
وتسعى واشنطن من خلال هذه السياسة إلى تضييق المسارات التي تستخدمها طهران في تصدير النفط والحصول على العملات الأجنبية، إلى جانب الضغط على المؤسسات المالية والشركات التي تتعامل مع الاقتصاد الإيراني.
وترى الإدارة الأمريكية أن حرمان إيران من الموارد المالية يمكن أن يضعف قدرتها على تمويل مؤسسات الدولة والبرامج العسكرية، ويزيد الضغوط الداخلية على الحكومة الإيرانية.
لكن طهران ترفض هذا الطرح، وتعتبر العقوبات الأمريكية شكلاً من أشكال «الحرب الاقتصادية»، مؤكدة أن الضغوط الخارجية لن تدفعها إلى تقديم تنازلات تمس سيادتها أو خياراتها السياسية والأمنية.
لماذا يخشى بيسنت على النظام المالي العالمي؟
النقطة الأكثر إثارة في تصريحات وزير الخزانة الأمريكي، وفق القراءة الإيرانية، تتمثل في اعترافه بأن واشنطن لا تريد أن يؤدي التصعيد المالي إلى اضطراب أوسع في النظام المالي العالمي.
وتعكس هذه المخاوف واحدة من أكبر المعضلات التي تواجه سياسة العقوبات الأمريكية.
فالقوة الرئيسية للعقوبات لا تأتي فقط من حجم الاقتصاد الأمريكي، وإنما من الدور المحوري للدولار والنظام المصرفي العالمي، الأمر الذي يمنح واشنطن قدرة كبيرة على التأثير في البنوك والشركات التي تحتاج إلى التعامل بالدولار أو الوصول إلى الأسواق الأمريكية.
لكن استخدام هذه القوة على نطاق واسع قد يدفع بعض الدول والمؤسسات إلى البحث عن قنوات بديلة للتجارة والتمويل، خصوصاً عندما تصبح العقوبات الثانوية تهديداً مباشراً لمصالحها.
وهنا تراهن إيران على توسيع علاقاتها التجارية مع شركاء لا يلتزمون بالكامل بالعقوبات الأمريكية، واستخدام ترتيبات مالية وتجارية بديلة لتقليل اعتمادها على النظام المالي الغربي.
طهران ترفض الرهان على الانهيار
وتؤكد السلطات الإيرانية أن الضغوط الاقتصادية لن تؤدي تلقائياً إلى تغيير النظام السياسي.
وتستند طهران في موقفها إلى عقود من العقوبات التي تقول إنها دفعتها إلى تطوير شبكات تجارة بديلة، وتعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي، وتوسيع العلاقات الاقتصادية مع دول آسيوية.
لكن العقوبات تظل تمثل تحدياً كبيراً للاقتصاد الإيراني، خصوصاً في ظل مشكلات التضخم وسعر الصرف وتراجع القوة الشرائية، فضلاً عن صعوبة جذب الاستثمارات الأجنبية والوصول إلى التكنولوجيا والأسواق الدولية.
وبالتالي، فإن المعركة الاقتصادية لا تدور فقط حول العقوبات نفسها، وإنما حول قدرة كل طرف على تحمل تكلفتها لفترة أطول.
من الحرب العسكرية إلى المواجهة الاقتصادية
ويأتي التصعيد الاقتصادي في أعقاب أشهر من التوتر العسكري الحاد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل العقوبات جزءاً من مواجهة أوسع تتداخل فيها الأدوات العسكرية والمالية والدبلوماسية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن واشنطن تحاول استخدام الضغط الاقتصادي كوسيلة لإجبار طهران على إعادة حساباتها من دون الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة جديدة.
في المقابل، تحاول إيران إظهار أنها قادرة على الرد على الضغوط، سواء من خلال أدواتها الاقتصادية أو عبر التأثير في حركة التجارة والطاقة الإقليمية.
ويظل مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية في هذه المعادلة، نظراً لأهميته بالنسبة لحركة صادرات الطاقة العالمية. وأي تصعيد كبير حول المضيق يمكن أن ينعكس سريعاً على أسعار النفط والشحن والتأمين، بما يجعل تداعيات الصراع تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة.
اختبار صعب لواشنطن وطهران
وبينما تصف واشنطن العقوبات بأنها وسيلة لإضعاف قدرة إيران على تمويل أنشطتها، ترى طهران أن الولايات المتحدة تحاول تحقيق أهداف سياسية عبر أدوات اقتصادية بعدما لم تحقق الضغوط السابقة النتائج التي كانت تتوقعها.
وتبدو النتيجة النهائية للمواجهة مرتبطة بعوامل عدة، أبرزها قدرة إيران على الحفاظ على صادراتها النفطية، ومدى استعداد الصين ودول أخرى لمواصلة التعامل معها، وقدرة واشنطن على فرض عقوباتها على الوسطاء والشركات التي تساعد طهران على تجاوز القيود.
وفي المقابل، تواجه إيران اختباراً داخلياً يتمثل في قدرتها على إدارة آثار العقوبات على المواطنين والأسواق، والحفاظ على تدفق السلع والعملة الأجنبية، ومنع الضغوط الاقتصادية من التحول إلى أزمة اجتماعية وسياسية أوسع.
وفي هذا السياق، يكتسب السجال بين قاليباف وبيسنت أهمية تتجاوز حدود التصريحات الإعلامية، لأنه يعكس جوهر المعركة الحالية: هل تستطيع واشنطن استخدام قوة الدولار لخنق الاقتصاد الإيراني، من دون أن تدفع في الوقت نفسه دولاً أخرى إلى البحث عن نظام مالي أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة؟
وبينما تراهن إدارة ترامب على أن العقوبات المتصاعدة ستجبر طهران على تقديم تنازلات، تصر القيادة الإيرانية على أن سياسة الضغط لن تحقق هدفها، وأن الاقتصاد الإيراني يمتلك من الأدوات والبدائل ما يسمح له بمواصلة الصمود.
وهكذا، تبدو المواجهة بين واشنطن وطهران متجهة إلى مرحلة جديدة، لا تُقاس فيها القوة بعدد الصواريخ أو حجم القوات فقط، بل أيضاً بحجم النفط الذي يمكن تصديره، وقوة العملة، وقدرة البنوك على تحويل الأموال، ومن يملك مفاتيح التجارة العالمية.











