في خطوة أمريكية جديدة تحمل أبعادًا سياسية وقانونية واسعة، فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء، عقوبات على مجموعة «فلسطين أكشن» (Palestine Action) البريطانية، وصنفتها كـ«منظمة إرهابية عالمية محددة بشكل خاص»، لتصبح المجموعة أمام قيود مالية أمريكية مشددة، في وقت تواجه فيه أصلًا حظرًا داخل بريطانيا.
القرار الأمريكي يفتح جبهة جديدة ضد المجموعة التي اشتهرت بتنفيذ عمليات مباشرة ضد شركات ومنشآت مرتبطة بالصناعات الدفاعية الإسرائيلية في بريطانيا، ويضع أنشطتها تحت نطاق العقوبات الأمريكية، بما قد يطال أي أصول أو معاملات تقع ضمن الاختصاص الأمريكي.
لماذا استهدفت واشنطن «فلسطين أكشن»؟
تقول الإدارة الأمريكية إن الخطوة تأتي في إطار حملة أوسع ضد ما تصفه بـ«الإرهاب اليساري العنيف»، في تحول واضح نحو استخدام أدوات مكافحة الإرهاب والعقوبات المالية ضد جماعات تنشط في الولايات المتحدة وخارجها.
وبموجب التصنيف، تستطيع السلطات الأمريكية تجميد الأصول والممتلكات التابعة للمجموعة والخاضعة للولاية الأمريكية، كما يُحظر على الأشخاص والكيانات الأمريكية تقديم الأموال أو الخدمات أو الدعم المادي لها.
ويأتي القرار في وقت تحاول فيه إدارة ترامب توسيع نطاق حملتها ضد الجماعات التي تتهمها باستخدام العنف والتخريب لتحقيق أهداف سياسية.
مجموعة مثيرة للجدل في بريطانيا
«فلسطين أكشن» ظهرت في بريطانيا كحركة احتجاجية تركز على الشركات التي تقول إنها مرتبطة بالصناعة العسكرية الإسرائيلية.
لكن نشاطها اتخذ منحى أكثر حدة، إذ نفذ ناشطون عمليات اقتحام وتخريب استهدفت منشآت وشركات دفاعية، وهو ما دفع السلطات البريطانية إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المجموعة.
وكانت الحكومة البريطانية قد صنفت «فلسطين أكشن» منظمة إرهابية، بعد عمليات استهدفت منشآت عسكرية، من بينها قاعدة بريز نورتون التابعة لسلاح الجو الملكي، حيث اتُهم ناشطون بإلحاق أضرار بطائرات عسكرية.
وتستمر المجموعة في الطعن قضائيًا في القرار البريطاني، فيما تنظر المحكمة العليا في المملكة المتحدة في قانونية التصنيف.
واشنطن تتبنى نهج لندن
اللافت أن القرار الأمريكي لا يأتي في فراغ، بل بعد خطوة بريطانية سبقت واشنطن في التعامل مع المجموعة باعتبارها تهديدًا أمنيًا.
لكن التصنيف الأمريكي يضيف بُعدًا جديدًا، لأن العقوبات المالية الأمريكية تمتلك تأثيرًا يتجاوز الحدود الأمريكية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالبنوك والشركات والمؤسسات التي تخشى التعرض للعقوبات إذا تعاملت مع جهة مدرجة على قوائم واشنطن.
وهذا قد يجعل المجموعة تواجه صعوبات إضافية في الحصول على التمويل أو الخدمات المالية أو التعاون مع جهات دولية.
«فلسطين أكشن» ترفض القرار
من جانبها، رفضت المجموعة التصنيف الأمريكي، واعتبرت الخطوة هجومًا على حرية التعبير والعمل السياسي.
وقالت هدى عموري، الشريكة المؤسسة لـ«فلسطين أكشن»، إن القرار يمثل تهديدًا للحريات المدنية، مؤكدة أن المجموعة تعتبر نشاطها محاولة لتعطيل صناعة الدفاع الإسرائيلية احتجاجًا على ما يحدث للفلسطينيين.
وبذلك يظهر خلاف جوهري حول طبيعة المجموعة: واشنطن ولندن تنظران إلى عملياتها باعتبارها تجاوزًا خطيرًا للقانون، بينما تصر المجموعة على تقديم نفسها باعتبارها حركة احتجاجية تستهدف شركات مرتبطة بالصناعة العسكرية.
ما الذي يعنيه التصنيف الأمريكي؟
التصنيف لا يعني فقط وضع اسم المجموعة على قائمة أمريكية، بل يفرض سلسلة من القيود المالية والقانونية.
فالأصول الواقعة تحت الولاية الأمريكية تصبح عرضة للتجميد، كما يُمنع المواطنون والشركات الأمريكية من إجراء معاملات أو تقديم دعم للمجموعة.
وقد تمتد التداعيات بصورة غير مباشرة إلى جهات خارج الولايات المتحدة، خصوصًا المؤسسات المالية والشركات التي لديها تعاملات مع النظام المالي الأمريكي وتخشى أن يؤدي التعاون مع جهة خاضعة للعقوبات إلى تعريضها لمخاطر قانونية أو مالية.
لماذا القرار مهم سياسيًا؟
أهمية الخطوة تتجاوز «فلسطين أكشن» نفسها، لأنها تعكس اتساع نطاق استخدام واشنطن للعقوبات في مواجهة جماعات تصنفها الإدارة ضمن تيارات سياسية متطرفة.
وفي الوقت نفسه، يأتي التصنيف وسط استمرار الانقسام الغربي بشأن الحرب في غزة، وطبيعة الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين، وحدود الإجراءات التي يمكن للحكومات اتخاذها ضد الجماعات التي تستخدم أساليب تخريبية في مواجهة شركات أو مؤسسات مرتبطة بإسرائيل.
ويضع ذلك الحكومة البريطانية أمام وضع حساس أيضًا؛ فالمجموعة تواجه حظرًا داخل المملكة المتحدة، والآن أصبحت مدرجة كذلك على قائمة العقوبات الأمريكية.
مواجهة مفتوحة
تصنيف «فلسطين أكشن» قد يكون بداية لمعركة قانونية وسياسية أطول، خصوصًا أن المجموعة تخوض أصلًا مواجهة أمام القضاء البريطاني بشأن قرار حظرها.
أما بالنسبة لواشنطن، فالقرار يمثل رسالة واضحة بأن إدارة ترامب مستعدة لاستخدام أدوات مكافحة الإرهاب والعقوبات ضد جماعات أجنبية ترى أنها تتجاوز النشاط الاحتجاجي إلى أعمال تخريب وعنف.
وفي المقابل، ترى «فلسطين أكشن» أن استهدافها أمريكيًا وبريطانيًا لن يغيّر طبيعة حملتها، ما يجعل القضية مرشحة للاستمرار في المحاكم والساحة السياسية البريطانية والدولية.
وبين العقوبات الأمريكية، والحظر البريطاني، والطعن القضائي، والجدل حول حدود الاحتجاج السياسي، تحولت «فلسطين أكشن» من مجموعة ناشطة داخل بريطانيا إلى قضية ذات أبعاد دولية، قد تصبح اختبارًا جديدًا للصراع بين مكافحة الإرهاب من جهة، وحرية الاحتجاج والتعبير السياسي من جهة أخرى.










