بورتسودان- تقرير خاص | المنشر_الاخباري
لا تبدو الحرب في السودان قريبة من نهايتها رغم المكاسب العسكرية التي حققتها القوات المسلحة السودانية خلال الأشهر الأخيرة. فبينما تمكن الجيش السوداني من استعادة مواقع وبلدات مهمة في وسط البلاد ودفع قوات الدعم السريع إلى مواقع دفاعية في عدد من الجبهات، أظهرت التطورات الأخيرة في ولاية النيل الأزرق أن قوات الدعم السريع وحلفاءها ما زالوا قادرين على فتح جبهات جديدة وتنفيذ عمليات بعيدة عن معاقلهم الرئيسية في دارفور.
وتشير قراءة للتطورات الميدانية والسياسية إلى أن تحقيق الجيش السوداني انتصارًا عسكريًا على قوات الدعم السريع لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب. بل إن السيناريو الأكثر تعقيدًا قد يتمثل في تفكك الصراع المركزي إلى مجموعة من النزاعات المحلية والمسلحة، مع بقاء السلاح منتشراً بين فصائل متعددة تمتلك أجندات سياسية وقبلية ومناطقية مختلفة.
مكاسب الجيش السوداني لا تعني حسم الحرب
شهد الجيش السوداني خلال الفترة الأخيرة تقدماً ملحوظاً في عدد من المناطق، خصوصاً في وسط البلاد وعلى الطرق الاستراتيجية التي تربط وادي النيل بالمناطق الغربية. وقد ساعدت هذه المكاسب القوات المسلحة السودانية على تحسين مواقعها العسكرية وتعزيز قدرتها على التحرك بين مناطق سيطرتها.
لكن الخريطة العسكرية لا تتحرك في اتجاه واحد.
ففي ولاية النيل الأزرق، تمكنت قوات الدعم السريع، بالتعاون مع الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، من استعادة السيطرة على مدينة الكرمك والاستيلاء على قيسان خلال أيام في أغسطس/آب. وتكتسب المدينتان أهمية خاصة بسبب موقعهما بالقرب من الحدود الإثيوبية، وهو ما يمنح القوات المتقدمة مساحة للمناورة ويفتح طرقاً جديدة للإمداد والتحرك.
وبحسب تحليلات ميدانية، فإن قوات الدعم السريع وحلفاءها تمكنوا من استخدام محاور قريبة من الأراضي الإثيوبية في هجماتهم الأخيرة، وهو ما يوضح أن الصراع لم يعد محصوراً في دارفور أو الخرطوم والمناطق المحيطة بها.
وهذا التطور يحمل دلالة مهمة: حتى إذا تمكن الجيش من تحقيق انتصارات كبيرة في وسط السودان، فإن قدرته على فرض سيطرة عسكرية مستدامة على الأطراف البعيدة تظل موضع اختبار.
التحالف المناهض للدعم السريع ليس قوة واحدة
من أكبر التحديات التي تواجه السودان بعد توقف القتال أن القوات التي تقاتل إلى جانب الجيش ليست جميعها جزءاً من منظومة عسكرية موحدة.
فالجيش السوداني يعتمد على تحالف واسع يضم حركات مسلحة من دارفور، وقوات وقوى محلية، وفصائل وقعت اتفاق جوبا للسلام عام 2020، إضافة إلى مجموعات مسلحة ومتطوعين وقوى ذات توجهات إسلامية.
ومن بين الحركات المتحالفة مع الجيش حركة العدل والمساواة بقيادة وزير المالية جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، إلى جانب تشكيلات أخرى.
وكان الهدف المعلن لاتفاق جوبا للسلام هو دمج القوات التابعة للحركات المسلحة في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، لكن عملية الدمج لم تحسم المشكلة بصورة نهائية.
وتكمن الخطورة في أن العديد من هذه التشكيلات تحتفظ بدرجات مختلفة من الاستقلال العسكري والسياسي، الأمر الذي يجعل ولاءها مرتبطاً في بعض الحالات بقادتها ومصالح مناطقها أكثر من ارتباطه بسلسلة قيادة عسكرية مركزية.
وخلال الحرب، كان وجود عدو مشترك هو العامل الذي جمع هذه القوى. لكن إذا توقفت المعارك ضد قوات الدعم السريع، فإن السؤال الذي سيظهر مباشرة هو: لمن ستخضع هذه القوات؟
خطر الميليشيات بعد انتهاء الحرب
التجربة السودانية السابقة توضح أن انتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية ليس ظاهرة جديدة.
فخلال عهد الرئيس السابق عمر البشير، اعتمدت الدولة بصورة كبيرة على تشكيلات مسلحة وقوات محلية لمواجهة التمرد في دارفور. وفي عام 2013، جرى دمج عدد كبير من مقاتلي الجنجويد في قوات الدعم السريع التي أصبحت لاحقاً إحدى أقوى القوى المسلحة في السودان.
وبالتالي فإن المشكلة التي تواجه الجيش اليوم ليست فقط كيفية هزيمة قوات الدعم السريع، وإنما كيفية منع ظهور نسخة جديدة من المشكلة نفسها بعد انتهاء الحرب.
فإذا بقيت عشرات التشكيلات المسلحة تحت قيادة قادة محليين يمتلكون قوات وسلاحاً ونفوذاً سياسياً، فإن انتهاء المعارك الرئيسية قد لا يؤدي إلى الاستقرار، بل قد يفتح الباب أمام صراعات جديدة حول السلطة والثروة والأرض.
قوات الدعم السريع نفسها بدأت تتفكك
في المقابل، لا تبدو قوات الدعم السريع كتلة عسكرية متماسكة بالكامل.
فقد شهدت صفوفها انشقاقات وانضمام بعض القادة إلى معسكر الجيش، في ظل تقارير تحدثت عن خلافات قبلية وحسابات مالية وسياسية.
لكن هذه الانشقاقات قد تحمل مفارقة بالنسبة للجيش السوداني.
فالقائد المنشق لا يصل بالضرورة إلى الجيش بمفرده، وإنما قد يأتي ومعه مقاتلون ومركبات وأسلحة وقوات تدين له شخصياً بالولاء.
وهذا يعني أن انتقال مقاتلين من الدعم السريع إلى الجيش قد يحل مشكلة عسكرية آنية، لكنه قد ينقل في الوقت نفسه مشكلة انتشار القوات المستقلة إلى داخل المعسكر الحكومي.
وتبرز حالة أبو عاقلة كيكل مثالاً على تعقيد هذه الظاهرة، إذ تنقل التقارير أنه سبق أن قاتل إلى جانب الجيش، ثم انضم إلى الدعم السريع، قبل أن يعود مرة أخرى إلى صفوف القوات المسلحة. ومع ذلك بقيت قواته تتمتع بدرجة من الاستقلال العملي عن القيادة المركزية.
وبالتالي، فإن السؤال ليس فقط من يسيطر على الميدان، بل من يملك القدرة على التحكم في المقاتلين بعد انتهاء الحرب.
الإسلاميون.. قوة عسكرية قد تتحول إلى لاعب سياسي
هناك عامل آخر قد يزيد تعقيد مرحلة ما بعد الحرب، وهو دور الجماعات الإسلامية المسلحة.
فقد شاركت كتائب مرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية، من بينها كتيبة البراء بن مالك، في القتال إلى جانب الجيش، ولعبت هذه التشكيلات دوراً في المعارك التي انتهت باستعادة الخرطوم من قوات الدعم السريع.
لكن مشاركة هذه القوات في الحرب تمنحها خبرة قتالية وتنظيماً وشبكات نفوذ يصعب تفكيكها بمجرد توقف إطلاق النار.
وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على كتيبة البراء بن مالك، بينما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على قائدها المصباح أبو زيد.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن بعض القيادات الإسلامية بدأت تقلل من حضورها العسكري المباشر، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها ستنسحب من المشهد السياسي.
فالسياسة السودانية بعد الحرب ستكون على الأرجح ساحة صراع جديدة بين القوى التي شاركت في القتال والقوى المدنية التي تسعى إلى استعادة المسار السياسي.
البرهان أمام معضلة ما بعد الحرب
أعلن قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان عن مسار للحوار الوطني، في محاولة لإدارة المرحلة السياسية المقبلة.
لكن هذا المسار يواجه معضلة كبيرة.
فالجيش قد يتمكن من إقصاء قوات الدعم السريع من مراكز السلطة، لكنه سيحتاج في الوقت نفسه إلى التعامل مع القوات والحركات التي ساعدته في تحقيق الانتصارات العسكرية.
وقد أعلن البرهان رفض عودة قادة الدعم السريع إلى السلطة، وهو موقف يمكن فهمه في ظل الاتهامات والانتهاكات التي ارتكبت خلال الحرب.
لكن استبعاد قيادة الدعم السريع من العملية السياسية لا يحل تلقائياً مشكلة القوات التي ما زالت موجودة على الأرض.
فماذا سيحدث للمقاتلين؟
هل سيتم دمجهم في الجيش؟
هل سيتم تسريحهم؟
ومن سيضمن أن عملية الدمج لن تنتج تشكيلات مسلحة جديدة داخل المؤسسة العسكرية؟
وهذه الأسئلة ستكون أكثر صعوبة في دارفور، حيث تمتلك قوات الدعم السريع شبكات قبلية ومصالح اقتصادية ونفوذاً عسكرياً متجذراً.
دارفور تبقى العقدة الأكبر
من الصعب تصور نهاية مستقرة للحرب السودانية من دون حل مسألة دارفور.
فالمنطقة شاسعة، وتاريخ النزاعات المسلحة فيها يعود إلى ما قبل الحرب الحالية بسنوات طويلة.
كما أن الدولة السودانية واجهت تاريخياً صعوبة في فرض سلطة مركزية مستقرة على الأطراف البعيدة، واعتمدت في أوقات مختلفة على قوى محلية ومسلحة لإدارة الصراع.
ولهذا، فإن تحقيق الجيش انتصاراً في الخرطوم أو وسط البلاد لا يعني بالضرورة أن الدولة أصبحت قادرة على فرض سيطرة كاملة في دارفور.
وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب استمرار طرق الإمداد العابرة للحدود، والتشابكات القبلية، والمصالح الاقتصادية، وانتشار السلاح.
النيل الأزرق يفتح جبهة جديدة
التطورات الأخيرة في النيل الأزرق تقدم نموذجاً واضحاً على مدى صعوبة حسم الحرب.
ففي أغسطس/آب، تقدمت قوات الدعم السريع وحلفاؤها في منطقة قريبة من الحدود الإثيوبية، وسيطرت على قيسان والكرمك وفق تقارير متعددة. وقد ربطت تحليلات أمنية هذا التقدم بعمليات انطلقت جزئياً من مناطق خلفية في الأراضي الإثيوبية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية لأنها تفتح أمام الدعم السريع وحلفائه محوراً جديداً بعيداً عن مناطق القتال التقليدية.
كما أنها تجبر الجيش السوداني على توزيع قواته على جبهات متعددة بدلاً من التركيز على محور واحد.
وبذلك يمكن أن تتحول الحرب من صراع على العاصمة ومراكز الدولة إلى صراع متعدد الجبهات حول الحدود والموارد والطرق الاستراتيجية.
لماذا قد يكون النصر العسكري بداية لمشكلة جديدة؟
الانتصار العسكري عادة ما يعني نهاية الحرب عندما تكون هناك مؤسسات قوية قادرة على فرض احتكار السلاح وإعادة بناء الدولة.
لكن السودان يواجه مشكلة مختلفة.
فالدولة نفسها ضعفت خلال سنوات الصراع، والمؤسسات الأمنية والعسكرية تضم قوى متعددة، بينما تنتشر الأسلحة بين الحركات المسلحة والقبائل والقوى السياسية.
لذلك فإن هزيمة قوة مسلحة كبيرة يمكن أن تؤدي إلى فراغ بدلاً من الاستقرار.
فالمقاتلون الذين يخسرون قيادتهم قد ينضمون إلى جماعات أخرى، والقادة المحليون قد يتحولون إلى زعماء سياسيين، والسلاح قد ينتقل من جبهة إلى أخرى.
وهذا هو السبب الذي يجعل احتمال تفكك الحرب إلى نزاعات أصغر أمراً أكثر واقعية من افتراض اختفائها فوراً.
السلام يحتاج إلى أكثر من اتفاق بين الجيش والدعم السريع
المشكلة الأساسية في السودان ليست فقط وجود قوتين متحاربتين.
هناك شبكة واسعة من القوى المسلحة والسياسية والقبلية التي تشكلت أو تعززت خلال سنوات الصراع.
ولذلك فإن أي اتفاق سلام يقتصر على الجيش والدعم السريع قد ينجح في وقف المعارك الرئيسية، لكنه لن يكون كافياً بالضرورة لإنهاء العنف في بقية البلاد.
ويحتاج السودان إلى ترتيبات أوسع تشمل دمج أو تسريح القوات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وضمان تمثيل المناطق المهمشة، ومعالجة النزاعات القبلية والأراضي، وإعادة النازحين، وتوفير آليات للعدالة والمحاسبة.
كما أن الدور الخارجي سيظل مهماً، خصوصاً أن الحرب السودانية أصبحت مرتبطة بشبكات دعم إقليمية ودولية.
وفي هذا السياق، تدفع الولايات المتحدة باتجاه تشديد الضغط الدولي على الأطراف المتحاربة، بما في ذلك توسيع العقوبات وحظر السلاح، بهدف دفعها إلى التفاوض بدلاً من مواصلة الاعتماد على الحل العسكري. وتقول واشنطن إن الدعم الخارجي للقوى المتحاربة أحد العوامل التي تساعد على استمرار الحرب.
سيناريوهات ما بعد المعارك
هناك عدة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة.
السيناريو الأول هو نجاح الجيش في إضعاف قوات الدعم السريع إلى درجة تجبر قيادتها على قبول تسوية سياسية. وفي هذه الحالة يمكن أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة، لكن نجاحها سيعتمد على قدرة الجيش على ضبط حلفائه المسلحين.
السيناريو الثاني هو استمرار الحرب بصورة متقطعة، بحيث يحتفظ الجيش بالمراكز الرئيسية بينما تبقى قوات الدعم السريع أو فصائلها في دارفور ومناطق حدودية.
أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في تفكك قوات الدعم السريع إلى مجموعات أصغر، وانضمام بعضها إلى حركات مسلحة وقبلية مختلفة، ما يؤدي إلى ظهور حروب محلية متعددة.
وهذا السيناريو قد يجعل إنهاء الحرب أكثر صعوبة، لأن التفاوض مع قيادة واحدة يتحول إلى التفاوض مع عدد كبير من القادة المحليين.
المكاسب الأخيرة التي حققها الجيش السوداني مهمة بلا شك، لكنها لا تكفي وحدها لإعلان نهاية الحرب.
ففي الوقت الذي حققت فيه القوات المسلحة السودانية تقدماً في مناطق من وسط البلاد، تمكنت قوات الدعم السريع وحلفاؤها من إعادة فتح جبهة مؤثرة في النيل الأزرق والسيطرة على مواقع استراتيجية قرب الحدود الإثيوبية.
والأهم أن كلا المعسكرين يعتمد على تحالفات مسلحة متعددة، ما يعني أن انتهاء القتال بين الجيش والدعم السريع لن يؤدي تلقائياً إلى تفكيك شبكة القوى المسلحة التي تشكلت خلال الحرب.
لذلك فإن السؤال الأهم بالنسبة للسودان لم يعد فقط: هل يستطيع الجيش هزيمة قوات الدعم السريع؟
بل أصبح: ماذا سيحدث للسلاح والقادة والمقاتلين بعد انتهاء المعارك؟
إذا تمكنت الدولة السودانية من دمج القوات وتسريح المقاتلين وإطلاق عملية سياسية شاملة، فقد تتحول المكاسب العسكرية إلى بداية لإعادة بناء الدولة.
أما إذا بقيت الأسلحة والقوى المسلحة خارج السيطرة المركزية، فقد تنتهي الحرب الحالية فقط لتبدأ سلسلة جديدة من النزاعات المحلية.
وفي هذه الحالة، لن تكون هزيمة قوات الدعم السريع نهاية حرب السودان، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع، أقل مركزية وأكثر تشظياً، وربما أصعب في الاحتواء من الحرب التي بدأت عام 2023.










