انقرة – المنشر_الاخباري
لم تعد التحركات التركية في أفريقيا والبحر الأحمر مجرد علاقات اقتصادية أو تعاون سياسي عابر، بل باتت تعكس استراتيجية أوسع تسعى من خلالها أنقرة إلى تثبيت حضور طويل الأمد على واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم.
فمن الصومال وليبيا إلى السودان والقرن الأفريقي، تتحرك تركيا عبر مزيج من الدبلوماسية والاستثمارات والتعاون العسكري والصناعات الدفاعية، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية والإقليمية على الموانئ والممرات البحرية الممتدة من البحر المتوسط إلى المحيط الهندي.
ممر استراتيجي يربط القارات
تكمن أهمية التحرك التركي في طبيعة المنطقة التي تستهدفها أنقرة. فالممر البحري الممتد من قناة السويس عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب وصولًا إلى المحيط الهندي يمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية والطاقة وحركة السفن العسكرية.
وأي اضطراب في هذه المنطقة يمكن أن ينعكس سريعًا على حركة التجارة الدولية، كما ظهر خلال أزمات الملاحة والهجمات على السفن التجارية في محيط البحر الأحمر وباب المندب.
ولهذا السبب، أصبحت الدول المطلة على هذا الممر محط اهتمام متزايد من قوى إقليمية ودولية تسعى إلى حماية مصالحها وتأمين خطوط التجارة والطاقة وتعزيز نفوذها البحري.
من «تصفير المشكلات» إلى القوة العسكرية
يرتبط جزء كبير من التحول في السياسة الخارجية التركية بأفكار وزير الخارجية ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، الذي طرح مفهوم «العمق الاستراتيجي».
كانت الفكرة تقوم على أن تركيا لا ينبغي أن تنظر إلى نفسها باعتبارها دولة تقع على هامش أوروبا والشرق الأوسط، وإنما باعتبارها قوة مركزية تمتلك روابط تاريخية وجغرافية مع مناطق متعددة، من البلقان والقوقاز إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وفي السنوات الأولى لحكم حزب العدالة والتنمية، ركزت أنقرة على توسيع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية وفتح سفارات جديدة وتعزيز التعاون مع دول الجوار.
لكن التطورات الإقليمية، خصوصًا بعد اندلاع أزمات الربيع العربي والحروب في سوريا وليبيا، دفعت السياسة التركية تدريجيًا نحو الاعتماد بصورة أكبر على الأدوات العسكرية والأمنية.
الصومال.. بوابة تركيا إلى البحر الأحمر
تُعد الصومال إحدى أبرز التجارب التركية في أفريقيا.
بدأ الحضور التركي هناك من بوابة المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، قبل أن يتوسع ليشمل البنية التحتية والتجارة والعلاقات السياسية والتعاون العسكري.
ومع مرور الوقت، أصبحت تركيا شريكًا أمنيًا مهمًا للحكومة الصومالية، كما أنشأت منشأة تدريب عسكرية في مقديشو، ما منحها حضورًا أمنيًا طويل الأمد في منطقة تقع بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وتكمن أهمية الصومال في موقعه الجغرافي المطل على خليج عدن والمحيط الهندي، بالقرب من مضيق باب المندب، وهو ما يجعل أي حضور عسكري أو اقتصادي فيه ذا قيمة استراتيجية تتجاوز حدود الدولة نفسها.
ليبيا.. البحر المتوسط في الحسابات التركية
لا تقتصر الاستراتيجية التركية على البحر الأحمر، إذ تمثل ليبيا ضلعًا آخر في تحرك أنقرة البحري.
فموقع ليبيا على البحر المتوسط يجعلها مرتبطة مباشرة بقضايا الطاقة والحدود البحرية وحركة التجارة والنفوذ العسكري في شمال أفريقيا.
وتدخلت تركيا عسكريًا في الأزمة الليبية، بينما ارتبط تدخلها باتفاقيات بحرية مع حكومة طرابلس، ما أضاف بُعدًا جيوسياسيًا إلى حضورها هناك.
ومن وجهة نظر أنقرة، لا يتعلق الأمر فقط بالصراع الداخلي الليبي، وإنما أيضًا بمنع خصومها الإقليميين من فرض ترتيبات بحرية وسياسية تستبعد المصالح التركية.
السودان.. مشروع تعثر لكنه لم يختفِ من الحسابات
السودان يمثل حلقة أخرى في التحرك التركي، خصوصًا بسبب موقعه على الساحل الغربي للبحر الأحمر.
وأثارت خطط تطوير جزيرة سواكن اهتمامًا واسعًا عندما طرحت تركيا مشاريع لإعادة تأهيل المنطقة وتطويرها.
ورغم أن المشروع واجه عقبات كبيرة نتيجة التطورات السياسية والحرب في السودان، فإن التجربة كشفت مدى أهمية الساحل السوداني بالنسبة إلى الحسابات الإقليمية.
فوجود دولة ذات نفوذ خارجي في موقع استراتيجي على البحر الأحمر يمكن أن يؤثر في حركة الملاحة والتوازنات العسكرية والسياسية في المنطقة.
منافسة مع قوى إقليمية ودولية
لكن تركيا ليست اللاعب الوحيد الذي يسعى إلى تعزيز نفوذه في هذه المنطقة.
مصر تنظر إلى البحر الأحمر من زاوية أمن قناة السويس ومصالحها الاستراتيجية، بينما تعمل السعودية على تعزيز حضورها على ساحل البحر الأحمر ضمن رؤيتها الاقتصادية والأمنية الجديدة.
أما الإمارات، فقد استثمرت بصورة واسعة في الموانئ وشبكات النقل واللوجستيات في منطقة الخليج والقرن الأفريقي.
وفي الوقت نفسه، عززت الصين حضورها العسكري والاقتصادي في جيبوتي، بينما تواصل قوى أخرى متابعة التطورات في الصومال والسودان وإثيوبيا.
وهكذا تحولت منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى ساحة تنافس تجمع بين الموانئ والتجارة والطاقة والقواعد العسكرية والنفوذ السياسي.
لماذا تثير تركيا مخاوف خصومها؟
استنادًا إلى التحليل المنشور، فإن توسع تركيا في هذه المنطقة يُنظر إليه في بعض العواصم باعتباره محاولة لبناء نفوذ طويل الأمد على طول الممر البحري.
ويزداد القلق لدى بعض المنافسين عندما يترافق النشاط الاقتصادي مع التعاون العسكري وبيع الطائرات المسيرة والتدريب الأمني والاتفاقيات البحرية.
كما أن الإشارات التركية إلى الإرث العثماني في المنطقة تضيف بُعدًا رمزيًا إلى تحركاتها.
وتثير هذه الإشارات مخاوف لدى بعض الدول، خصوصًا مصر والسعودية والإمارات، التي ترى في التوسع التركي احتمالًا لعودة نفوذ أنقرة إلى مناطق كانت مرتبطة تاريخيًا بالدولة العثمانية.
لكن اختزال السياسة التركية في فكرة «العثمانية الجديدة» وحدها قد لا يكون كافيًا لتفسير تحركات أنقرة.
الجغرافيا قبل الأيديولوجيا
هناك عامل أكثر وضوحًا وراء السياسة التركية، وهو الجغرافيا.
فالدول والموانئ التي ركزت عليها أنقرة تتمتع بمواقع تسمح بالتأثير في حركة التجارة والطاقة والملاحة بين أوروبا وآسيا وأفريقيا.
ولهذا، فإن الصومال وليبيا والسودان ليست بالضرورة ملفات منفصلة بالنسبة إلى أنقرة، وإنما أجزاء من تصور أوسع لتعزيز قدرة تركيا على التحرك في مناطق بحرية حيوية.
ومع تطور الصناعات الدفاعية التركية، أصبحت أنقرة تمتلك أدوات عسكرية تسمح لها بدعم سياستها الخارجية بصورة أكبر، خصوصًا في مجال الطائرات المسيرة والتعاون العسكري والتدريب.
القرن الأفريقي يدخل مرحلة جديدة
وتكشف التطورات في الصومال وإثيوبيا وأرض الصومال عن مدى تعقيد البيئة التي تعمل فيها تركيا.
إثيوبيا تبحث عن منفذ بحري يخدم مصالحها الاقتصادية، والصومال يتمسك بموقفه من وحدة أراضيه، بينما تسعى أرض الصومال إلى تعزيز علاقاتها الخارجية والحصول على اعتراف دولي.
هذه الملفات المحلية أصبحت مرتبطة بالمنافسة الدولية على الموانئ والطرق البحرية، ما يمنح القوى التي تستطيع لعب دور الوسيط أو الشريك الأمني نفوذًا إضافيًا.
وفي هذا السياق، تحاول تركيا الجمع بين الوساطة السياسية والحضور الأمني، في استمرار جزئي لنهجها الدبلوماسي السابق، ولكن بأدوات أكثر صلابة.
هل تبني أنقرة شبكة نفوذ تمتد من المتوسط إلى المحيط الهندي؟
السؤال الأبرز الذي تطرحه التحركات التركية هو ما إذا كانت أنقرة تعمل على بناء شبكة متكاملة من العلاقات والمواقع والنفوذ تمتد من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي.
المؤشرات تشير إلى أن تركيا أصبحت أكثر حضورًا في ملفات تتقاطع فيها التجارة والأمن والطاقة والموانئ.
ورغم أن أنقرة تواجه تحديات كبيرة، من عدم استقرار بعض شركائها إلى المنافسة الشرسة مع قوى إقليمية ودولية، فإنها نجحت خلال السنوات الماضية في تثبيت نفسها كطرف يصعب تجاهله في عدد من ملفات أفريقيا والبحر الأحمر.
وفي النهاية، فإن الصراع على البحر الأحمر لم يعد مجرد تنافس على المياه والموانئ، بل أصبح جزءًا من سباق أكبر على طرق التجارة العالمية وممرات الطاقة ومواقع النفوذ العسكري.
وتبدو تركيا، من خلال وجودها في الصومال وليبيا وتحركاتها تجاه السودان والقرن الأفريقي، مصممة على أن يكون لها موقع داخل هذا السباق، لا أن تظل مجرد قوة تراقب التطورات من بعيد.










