تحولت أجزاء واسعة من مدينة بيدوا، ثالث أكبر مدن الصومال الواقعة على بُعد 256 كيلومتراً إلى الشمال الغربي من العاصمة مقديشو، إلى ما يشبه “أحياء أشباح” فارغة بفعل الخوف والهل، في ظل دعم عسكري تركي للقوات الحكومية ، وحصول قوات الدراويش على دعم إثيوبي مما يفتح المدينة على صراع إقليمي.
فبعد أن كانت المدينة تُعرف بكونها واحة سلمية محمية بالكامل من قبل القوات الإثيوبية وقوات الدراويش المحلية الموالية للحكومة الإقليمية، باتت اليوم ساحة لمواجهات مسلحة عنيفة ألقت بظلالها القاتمة على حياة المدنيين وأحلامهم.
تفاصيل المعارك الضارية وتراجع قوات الدراويش
اندلعت الاشتباكات العنيفة في تمام الساعة 5:30 من فجر يوم الخميس، إثر هجوم واسع شنته قوات الدراويش الموالية للرئيس السابق لولاية الجنوب الغربي، عبد العزيز حسن محمد المعروف بـ “لفتغرين”، بهدف السيطرة على المدينة. وخاض المهاجمون معارك ضارية استمرت لأربع ساعات متواصلة ضد القوات الفيدرالية وقوات إقليمية تدعم إدارة الشيخ عادن مدوبي الحالية.
وأدت موجة القتال العنيف إلى امتداد النيران وأصوات القصف نحو أحياء حيوية مثل الفارس، وسوق الخولاه، وبونكاي، والأحمر، ودار السلام، والتوفيق، وبكرية. وأجبر دوي الانفجارات وإطلاق النار الكثيف العائلات والمدنيين على الفرار العشوائي بحثاً عن الملاذ الآمن، حيث لجأ العديد من السكان إلى المساجد للاحتماء بداخلها من الرصاص الضال وقذائف الهاون. وفي ذات السياق، سجل مستشفى منطقة باي استقبال عشرات الإصابات بين المدنيين، وسط توثيق لمقتل شخصين، بينما اضطرت الجهات المعنية لقطع التيار الكهربائي عن المدينة بأكملها كإجراء احترازي لتفادي الصدمات الكهربائية نتيجة تضرر البنية التحتية.
أبعاد الصراع السياسي وتداعياته الإقليمية واللوجستية
يأتي هذا التصعيد العسكري الخطير امتداداً لأزمة سياسية عميقة تتعلق بالصراع على قيادة ولاية الجنوب الغربي، حيث تتمسك الإدارة الحالية برئاسة الشيخ عادن مدوبي بشرعيتها بدعم من الحكومة الفيدرالية في مقديشو، في حين يرفض معسكر “لفتغرين” تلك التطورات ويسعى للسيطرة المسلحة على العاصمة الإقليمية.
وعلى الصعيد الميداني، رصدت مصادر محلية وأمنية تراجع قوات الدراويش نحو الأطراف والضواحي الجنوبية الشرقية للمدينة بعد معارك كر وفر، تخللتها ادعاءات متبادلة بالسيطرة على مواقع عسكرية حيوية مثل قاعدة بونكاي واغتنام آليات عسكرية. ومع ذلك، لا يزال الغموض يكتنف الوضع الأمني في ظل توعد القيادات الميدانية الموالية للفتغرين بمواصلة الحملة العسكرية حتى طرد ما وصفته بـ “القوات الغازية”.
وفي تطور لافت يزيد من تعقيدات المشهد الجيوسياسي، أشارت تقارير ميدانية إلى تدخل محتمل لمقاتلات تركية في المعركة لاستهداف قوات الدراويش، وهو ما دفع المتحدث باسم الأخيرة، أوغاس حسن، إلى توجيه انتقادات حادة للتدخل العسكري التركي، مؤكداً أنه لن يمنع قواتهم من تحقيق أهدافها.
وتثير هذه التقارير مخاوف متزايدة من انزلاق المنطقة نحو صراع إقليمي أوسع على الأراضي الصومالية، يضاف إلى شبح التمرد المتنامي الذي يذكّر بتعقيدات حقبة التسعينيات، ما يضع إدارة الرئيس حسن شيخ أمام تساؤلات ومسؤوليات ضخمة حيال حماية أرواح المدنيين الذين يدفعون ثمن هذه الصراعات السياسية الباهظة.









