دبي – المنشر_الاخباري
بعد أشهر من الرهان على أن تكون الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أزمة عابرة، بدأت دول الخليج تتعامل مع واقع اقتصادي أكثر قتامة، بعدما امتد تأثير الصراع إلى قطاعات كانت تمثل جوهر قصة النمو والتنويع الاقتصادي في المنطقة، من السياحة والطيران والفنادق والعقارات، إلى التجارة والشحن والفعاليات الرياضية والترفيهية الكبرى.
وبحسب تقرير حديث لصحيفة وول ستريت جورنال، فإن استمرار الحرب إلى شهرها السابع بدد الآمال الخليجية في عودة سريعة إلى النشاط الطبيعي خلال النصف الثاني من العام، فيما بدأ مسؤولون ورجال أعمال يستعدون لظروف اقتصادية ضعيفة حتى نهاية 2026، مع تحذيرات من أن التعافي قد يستغرق أشهرًا حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
دبي تدفع فاتورة الحرب
وتبدو دبي في قلب هذه التداعيات، باعتبارها مركزًا إقليميًا للسفر والأعمال والاستثمار والسياحة الفاخرة.
وسجل مطار دبي الدولي، أحد أكثر مطارات العالم ازدحامًا، تراجعًا في حركة المسافرين بنسبة 31.3% خلال النصف الأول من 2026، إلى نحو 31.5 مليون مسافر، مقارنة بنحو 46 مليونًا خلال الفترة نفسها من العام السابق.
ويأتي ذلك بعدما تسببت الحرب في اضطرابات واسعة بحركة الطيران في المنطقة، بينما أبقت شركات طيران دولية عديدة على تعليق أو تقليص رحلاتها إلى المنطقة، في حين واصلت شركات خليجية تسيير رحلاتها بدرجة أكبر من المخاطرة.
ولم يقتصر التراجع على المسافرين، إذ انخفضت حركة الشحن عبر مطار دبي أيضًا بنحو 29% خلال النصف الأول من العام، ما يعكس حجم الضغوط التي باتت تواجه دبي كمركز عالمي للطيران والتجارة والخدمات اللوجستية.
الفنادق.. غرف فاخرة بلا نزلاء
قطاع الضيافة تلقى بدوره ضربة قوية.
فوفق البيانات التي أوردتها وول ستريت جورنال، تراجع متوسط إشغال الفنادق في دبي إلى نحو 56% خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بنحو 80% في 2025، وكانت المنشآت الفاخرة والراقية من بين الأكثر تضررًا.
وهذه الأرقام تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى اقتصاد دبي، الذي بنى جزءًا كبيرًا من جاذبيته العالمية على السياحة الفاخرة، والمؤتمرات، والفعاليات الدولية، وقدرته على جذب الزوار من مختلف أنحاء العالم.
ورغم انخفاض الإشغال، لم تنهَر أسعار الغرف بالدرجة نفسها؛ إذ تراجعت أسعار الفنادق بنحو 7% فقط خلال النصف الأول، في وقت ظلت فيه أسعار تذاكر الطيران مرتفعة بسبب انخفاض المنافسة وارتفاع تكاليف الوقود.
سوق العقارات.. الطلب يتراجع بقوة
أما العقارات، التي كانت إحدى أبرز قصص النجاح الاقتصادي في دبي خلال السنوات الماضية، فقد بدأت تظهر عليها آثار الحرب بوضوح.
وانخفضت مبيعات العقارات السكنية بنحو 31% خلال الربيع، بينما كانت الضربة أشد في سوق العقارات الفاخرة؛ إذ تراجعت مبيعات العقارات التي تتجاوز قيمتها 4 ملايين دولار بنسبة 59%، بحسب شركة «بيترهومز» للوساطة العقارية في دبي.
كما فقد مؤشر دبي العقاري الذي يتتبع شركات التطوير المدرجة نحو ثلث قيمته مقارنة بالمستويات التي سبقت الحرب.
لكن المفارقة أن الأسعار نفسها أبدت صمودًا أكبر من حجم الطلب؛ فقد ارتفع متوسط أسعار بيع المنازل السكنية بنحو 3% في الربع الثاني من 2026 مقارنة بالربع نفسه من العام السابق.
ويرى محللون أن استمرار ضعف الطلب قد يؤدي لاحقًا إلى انتقال أثر الأزمة من حجم المبيعات إلى الأسعار، خصوصًا إذا طال أمد الحرب وتراجع تدفق المستثمرين الأجانب.
ضربة للفعاليات التي راهنت عليها المنطقة
ولم تسلم أجندة الفعاليات العالمية من تداعيات الحرب.
فقد جرى نقل سباق جائزة البحرين الكبرى للفورمولا 1 إلى ماليزيا، رغم استمرار إقامة السباق في أكتوبر ولكن خارج البحرين، بينما نقلت السعودية كأس العالم للرياضات الإلكترونية من الرياض إلى باريس.
كما ألغيت جولة أبريل من سباقات الفورمولا 1 في السعودية، فيما لا يزال سباق أبوظبي المقرر في ديسمبر على جدول الموسم، مع بقاء إمكانية تغييره وفق تطورات الوضع الأمني.
وفي الإمارات، أُلغي مهرجان موسيقي كان من المقرر أن تحييه المغنية العالمية شاكيرا، في مؤشر آخر على أن تأثير الحرب لم يعد مقتصرًا على قطاعات الاقتصاد التقليدية، بل وصل إلى صناعة الترفيه والفعاليات الجماهيرية.
السعودية أمام اختبار رؤية 2030
وتكتسب هذه التداعيات أهمية خاصة بالنسبة إلى السعودية، التي ضخت استثمارات ضخمة في السياحة والرياضة والترفيه والألعاب الإلكترونية ضمن رؤية 2030، بهدف بناء مصادر جديدة للنمو وتقليل الاعتماد على النفط.
لكن استمرار الحرب يفرض تحديات على هذه الاستراتيجية، خصوصًا في القطاعات التي تحتاج إلى تدفق مستمر للزوار والمستثمرين والفعاليات الدولية.
وفي الوقت الذي تتعرض فيه السياحة الخليجية لضغوط، يشير محللون إلى أن بعض الدول قد تتمتع بقدرة أكبر على امتصاص الصدمة بفضل الطلب المحلي أو قطاعات أخرى أقل ارتباطًا بالسياحة الدولية. إلا أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يجعل التأثير أكثر اتساعًا على مستوى المنطقة بأكملها.
الأزمة تتجاوز السياحة والطيران
والأخطر أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد السياح أو الرحلات الجوية.
فالحرب أدت إلى اضطرابات في الشحن وسلاسل الإمداد، وأصبحت الشركات تواجه تأخرًا في وصول البضائع والمعدات، مع ارتفاع تكاليف نقل الحاويات بعد اضطراب حركة الملاحة في المنطقة.
وفي دبي، انعكس ذلك أيضًا على ميناء جبل علي، أحد أهم أعمدة نموذج الإمارة الاقتصادي، إذ تسببت الحرب والاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز في ضغوط شديدة على حركة الحاويات والتجارة.
كما تراجعت التجارة التقليدية بين دبي وإيران بصورة حادة، بعدما اتخذت الإمارات إجراءات لوقف التجارة والتبادلات المالية مع إيران، ما أضاف ضغوطًا جديدة على واحدة من أقدم الروابط التجارية التي استفادت منها دبي لعقود.
مشاريع ضخمة تدفع ثمن التأخير
حتى المشروعات العملاقة لم تكن بمنأى عن الأزمة.
فشركة وين ريزورتس، التي تبني أول منتجع كازينو قانوني في الإمارات بتكلفة تتجاوز 5 مليارات دولار، قالت إن الحرب تسببت في تأخير الافتتاح لأشهر، إضافة إلى ارتفاع التكاليف بمئات الملايين من الدولارات.
ويعكس ذلك مشكلة أوسع تواجه الشركات في الخليج: فحتى عندما لا تتعرض المنشآت نفسها لأضرار مباشرة، فإن الحرب ترفع تكلفة التمويل والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد، وتدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر.
الحكومات تحاول إنقاذ الموسم
وأمام هذه الضغوط، بدأت حكومات ومدن خليجية تقديم حوافز اقتصادية وسياحية لدعم الشركات وجذب الزوار وتشجيع الإنفاق.
كما تعمل شركات الطيران على استعادة ثقة المسافرين من خلال إجراءات وحوافز مختلفة، في محاولة لمنع الأزمة من التحول إلى تغيير دائم في سلوك المسافرين.
لكن رجال الأعمال يرون أن عودة الطائرات إلى الأجواء لا تعني بالضرورة عودة الاقتصاد إلى ما كان عليه قبل الحرب؛ فالزائر يحتاج إلى الشعور بالأمان، والمستثمر يحتاج إلى رؤية واضحة، والشركات تحتاج إلى استقرار في حركة التجارة والنقل.
وقد يستغرق استعادة هذه الثقة وقتًا أطول بكثير من استئناف الرحلات الجوية.
«ستة أشهر» بعد انتهاء الحرب؟
وتتزايد المخاوف من أن تكون تداعيات الحرب أطول من الحرب نفسها.
وقال رافائيل خانويان، الرئيس التنفيذي لشركة مقاولات إماراتية، للصحيفة إن الأمر قد يستغرق نحو ستة أشهر بعد انتهاء القتال قبل أن تبدأ الأوضاع في الشعور بالعودة إلى طبيعتها، مشيرًا إلى تراكمات التأخير في الشحن وإعادة توجيه الحاويات وارتفاع تكلفة السلع المستوردة.
وهذا السيناريو يمثل تحديًا كبيرًا لنموذج الخليج الاقتصادي الجديد، الذي يعتمد بدرجة متزايدة على الانفتاح العالمي، وحركة الطيران، والاستثمار الأجنبي، والسياحة، والفعاليات الدولية.
الخليج أمام عام اقتصادي مختلف
قبل اندلاع الحرب، كانت دول الخليج تراهن على استمرار الزخم الاقتصادي، مدفوعة بارتفاع الاستثمارات والمشروعات الضخمة والسياحة والعقارات، مع محاولة تقليل الاعتماد على عائدات النفط.
أما الآن، فقد تغيرت الحسابات.
الحرب الطويلة خلقت حالة من «لا حرب ولا سلام»، وهي بيئة يصعب فيها على الشركات اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل، كما يصعب على قطاعات السياحة والفعاليات استعادة زخمها الكامل.
وبالنسبة إلى دبي تحديدًا، تبدو الصورة أكثر حساسية؛ فالإمارة لا تعتمد على النفط بقدر اعتمادها على موقعها كمركز عالمي للطيران والتجارة والسياحة والعقارات والخدمات.
ولهذا فإن استمرار الحرب لا يمثل مجرد أزمة أمنية بالنسبة إليها، بل اختبارًا حقيقيًا للنموذج الاقتصادي الذي بنت عليه مكانتها العالمية خلال العقود الماضية.
وبينما تراهن الحكومات الخليجية على الحوافز وعودة الاستقرار، يزداد اقتناع قطاع الأعمال بأن 2026 قد يكون عامًا ضائعًا اقتصاديًا بالنسبة إلى بعض القطاعات، وأن مرحلة ما بعد الحرب لن تعني عودة فورية إلى الوضع السابق.
فالمعادلة الجديدة لم تعد: متى تنتهي الحرب فقط؟ بل أصبحت: كم من الوقت يحتاج الخليج حتى يستعيد ثقة المستثمر والسائح والمسافر بعد انتهائها؟










