واشنطن – المنشر_الاخباري
تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من حرب الأعصاب والحسابات السياسية، بعدما كشفت تقييمات وتقارير أمريكية عن اعتقاد داخل طهران بأن الوقت قد يعمل لصالحها، في وقت لا تبدو فيه مستعدة للعودة سريعًا إلى طاولة المفاوضات.
وبحسب هذه التقريرات ، ترى إيران أنها استطاعت خلال أشهر الحرب اختبار حدود القوة الأمريكية، والحفاظ على قدرات عسكرية تسمح لها بمواصلة المواجهة، بينما أصبح استمرار الصراع يفرض كلفة سياسية واقتصادية متزايدة على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
والأكثر إثارة أن بعض التحليلات تشير إلى أن طهران قد تراهن على إبقاء الحرب مفتوحة إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر، بحيث يتحول الصراع من معركة عسكرية إلى عبء سياسي على الإدارة الأمريكية.
طهران لا ترى سببًا للتنازل الآن
بعد ستة أشهر من الحرب، تبدو القيادة الإيرانية، وفق تقارير أمريكية، أقل استعدادًا لتقديم تنازلات تحت الضغط العسكري.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن القيادة الإيرانية أصبحت أكثر تمسكًا بموقفها، خصوصًا بعدما نجحت في الحفاظ على قدرتها على الرد رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
كما أن استمرار الهجمات والردود المتبادلة جعل من الصعب على واشنطن إعلان نهاية واضحة للصراع أو تقديم نتيجة حاسمة للرأي العام الأمريكي.
وتشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن التيار المتشدد داخل القيادة الإيرانية عزز موقعه خلال أشهر الحرب، بينما تراجعت مساحة المناورة أمام الأصوات الداعية إلى تسوية دبلوماسية.
ورقة مضيق هرمز
في المقابل، تملك طهران ورقة شديدة الحساسية تتمثل في مضيق هرمز.
فاستمرار التوتر في الممر البحري الاستراتيجي يضغط على حركة شحن النفط ويرفع المخاوف بشأن أسعار الطاقة، وهو ما ينعكس مباشرة على المستهلك الأمريكي والاقتصاد العالمي.
وتحاول واشنطن فرض حرية الملاحة في المضيق، فيما تصر طهران على استخدام قدراتها العسكرية والبحرية للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.
ويقول نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إن واشنطن لا تجري مفاوضات حاليًا مع إيران، بينما ربط إنهاء المواجهة بوقف الهجمات الإيرانية على حركة الشحن التجاري في المنطقة.
الانتخابات.. الهدف السياسي الأكبر
هنا تدخل الانتخابات الأمريكية على خط الأزمة.
فانتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر تمثل اختبارًا مهمًا لترامب والحزب الجمهوري، خصوصًا في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار الوقود وتراجع شعبية الحرب.
وتكشف تقارير حديثة أن كبار مساعدي ترامب يحاولون منع تصعيد واسع للحرب قبل الانتخابات، خشية أن يؤدي استمرارها إلى خسائر انتخابية للجمهوريين.
وبحسب رويترز، لا يحظى الصراع بتأييد واسع داخل الولايات المتحدة، فيما أظهر استطلاع حديث أن 31% فقط من الأمريكيين يؤيدون الحرب، مع تراجع شعبية ترامب وارتفاع القلق من كلفة المواجهة.
وفي استطلاع أحدث، قال 25% فقط من الأمريكيين إن الحرب مع إيران تستحق خوضها، في مؤشر على حجم الإرهاق الشعبي من الصراع.
إيران تراهن على إنهاك ترامب
وفق القراءة التي تطرحها بعض المصادر والتحليلات الأمريكية، قد تكون طهران قد أدركت أن استمرار الحرب لا يفرض عليها وحدها تكلفة، بل يضع ترامب أيضًا أمام مشكلة داخلية متزايدة.
فكل أسبوع إضافي من المواجهة يعني مزيدًا من الضغط على أسعار الطاقة، ومزيدًا من الجدل داخل الكونغرس، ومزيدًا من الأسئلة حول أهداف الحرب والنتائج التي حققتها الإدارة الأمريكية.
وقد يصبح الوضع أكثر حساسية إذا دخلت الولايات المتحدة موسم الانتخابات بينما لا تزال الأزمة في الشرق الأوسط مفتوحة.
ويرى محللون أن طهران قد تستفيد من هذه المعادلة عبر حرمان ترامب من إعلان نصر سريع، وإجباره على التعامل مع حرب لا يستطيع إنهاءها بشروطه بسهولة.
وقد عبّر خبير الشؤون الإيرانية فالي نصر، في تحليل سابق، عن فكرة مشابهة بالقول إن إيران قد تسعى إلى منع ترامب من التحكم وحده في إيقاع الحرب وربط كلفتها سياسيًا بالانتخابات.
لكن إيران ليست في وضع مريح
ورغم هذه الحسابات، فإن الرهان على الوقت لا يعني أن إيران تخرج من الحرب منتصرة أو بلا خسائر.
فالاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطًا قاسية نتيجة العقوبات والحصار واضطراب صادرات النفط والتجارة، فيما يؤدي استمرار المواجهة إلى استنزاف الموارد العسكرية والاقتصادية.
كما أن الحرب نفسها تضع القيادة الإيرانية أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ على قدرتها على الرد دون الانجرار إلى مواجهة شاملة قد تكون كلفتها أكبر بكثير؟
ولهذا فإن الحديث عن ثقة إيرانية متزايدة يجب ألا يُفهم على أنه تعافٍ اقتصادي أو تفوق عسكري شامل، وإنما يعكس، وفق هذه التقييمات، اعتقادًا بأن طهران لا تزال قادرة على الصمود ورفع كلفة الحرب على خصومها.
ترامب أمام معادلة معقدة
في المقابل، يواجه ترامب خيارين كلاهما مكلف.
فالتصعيد العسكري قد يؤدي إلى ارتفاع أكبر في أسعار النفط وتوسيع دائرة المواجهة، وهو ما قد يضر بالحزب الجمهوري قبل الانتخابات.
أما خفض التصعيد أو الدخول في تسوية بشروط أقل من الأهداف التي أعلنتها واشنطن، فقد يمنح إيران فرصة للقول إن صمودها أجبر الولايات المتحدة على تغيير موقفها.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن الإدارة تحاول حاليًا الموازنة بين الضغط الاقتصادي والعسكري، مع تجنب انفجار أكبر قبل الانتخابات.
حرب طويلة.. أم ورقة تفاوض؟
المشهد الحالي لا يعني بالضرورة أن طهران اتخذت قرارًا نهائيًا بإطالة الحرب حتى نوفمبر، كما لا يعني أن المفاوضات أصبحت مستحيلة.
لكن المؤشرات المتاحة تكشف أن عامل الوقت أصبح جزءًا أساسيًا من الحسابات لدى الطرفين.
إيران تراهن على الصمود ورفع كلفة المواجهة، بينما تحاول واشنطن منع الحرب من التحول إلى أزمة سياسية داخلية قبل توجه الأمريكيين إلى صناديق الاقتراع.
وبينما يقترب موعد الانتخابات، قد تصبح كل ضربة وكل ارتفاع جديد في أسعار النفط وكل يوم إضافي من الحرب جزءًا من معركة أكبر بكثير من ساحات القتال.
فالمواجهة لم تعد فقط حول البرنامج النووي أو مضيق هرمز أو النفوذ الإقليمي؛ بل تحولت أيضًا إلى سباق مع الزمن لمعرفة من سينهار أولًا تحت ضغط الحرب: طهران اقتصاديًا أم واشنطن سياسيًا.








