العلمين – المنشر_الاخباري
دخلت إيطاليا على خط واحدة من أكثر الأزمات حساسية في أفريقيا، بعدما أعلنت استعدادها للمساعدة في تسهيل الحوار بين مصر وإثيوبيا بشأن الخلاف المتعلق بمياه نهر النيل، في خطوة قد تفتح الباب أمام تحرك دبلوماسي جديد في ملف سد النهضة الذي ظل عالقًا لسنوات بين القاهرة وأديس أبابا.
وقال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إن بلاده مستعدة للقيام بدور الوسيط أو المساعدة في تسهيل الحوار بين مصر وإثيوبيا، إذا أبدى البلدان رغبة في ذلك، مشددًا على ضرورة الوصول إلى حل تفاوضي وعادل ومستدام يتوافق مع قواعد القانون الدولي.
وجاءت تصريحات تاياني خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عقب مباحثات في مدينة العلمين، تناولت عددًا من الملفات الثنائية والإقليمية، من بينها المياه والطاقة والهجرة والتجارة والاستثمار.
روما تراهن على علاقتها بإثيوبيا
وأوضح الوزير الإيطالي أن علاقات بلاده مع إثيوبيا يمكن أن تساعد في دعم أي جهود تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين القاهرة وأديس أبابا.
وأكد أن روما تدرك حساسية قضية المياه بالنسبة إلى مصر، وأن أي تسوية ينبغي أن تضمن لمصر الحصول على حصتها من مياه النيل وفقًا للقانون الدولي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مسار تفاوضي يراعي مصالح جميع الأطراف.
وتحاول إيطاليا بذلك تقديم نفسها كطرف قادر على التواصل مع الجانبين، في وقت لم تنجح فيه جولات المفاوضات السابقة في التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن قواعد تشغيل سد النهضة وإدارة المياه خلال فترات الجفاف.
مصر: مياه النيل قضية وجود
من جانبه، وضع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قضية مياه النيل في صدارة أولويات القاهرة، مؤكدًا أنها تمثل قضية وجودية بالنسبة إلى مصر بسبب تأثيرها المباشر على حياة أكثر من 110 ملايين مصري.
وشدد عبد العاطي على ضرورة الالتزام الكامل بالقانون الدولي، خصوصًا مبدأ عدم إلحاق الضرر بالدول الأخرى، مع رفض الإجراءات الأحادية المتعلقة بمياه النيل.
وتتمسك القاهرة منذ سنوات بضرورة وجود اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية تشغيل سد النهضة، خصوصًا في ما يتعلق بفترات الجفاف وآليات إدارة المياه، بينما ترى أن الإجراءات الأحادية في هذا الملف تمثل تهديدًا لأمنها المائي.
سد النهضة في قلب الأزمة
ويُعد سد النهضة الإثيوبي محور الخلاف الرئيسي بين مصر وإثيوبيا.
فإثيوبيا تعتبر السد مشروعًا استراتيجيًا لتوليد الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية، بينما تخشى مصر من أن تؤثر طريقة تشغيله وإدارة تدفقات المياه على إمداداتها المائية، خصوصًا خلال سنوات الجفاف.
وقد اكتمل بناء السد وبدأت إثيوبيا تشغيله على نطاق واسع، وهو ما غيّر طبيعة النزاع من خلاف حول إنشاء المشروع إلى خلاف أكثر تعقيدًا بشأن قواعد تشغيله وإدارة المياه مستقبلًا.
وفي أغسطس الماضي، تصاعدت المخاوف المصرية بعد تصريحات إثيوبية بشأن خطط لبناء مشروعات إضافية على النيل الأزرق، في وقت تعتبر فيه القاهرة أن أي مشروعات جديدة ينبغي أن تخضع للتنسيق والتعاون بين دول حوض النيل.
مفاوضات استمرت لسنوات دون اتفاق
ولم تبدأ أزمة سد النهضة مع المبادرة الإيطالية الحالية، بل تعود إلى أكثر من عقد، شهد خلالها الملف جولات تفاوض متعددة بين مصر وإثيوبيا والسودان، إلى جانب محاولات وساطة وتدخلات دولية وإقليمية.
لكن الخلافات الأساسية بقيت قائمة، خصوصًا حول كيفية تشغيل السد خلال فترات الجفاف، وقواعد تبادل المعلومات، والضمانات التي تطالب بها مصر والسودان لمنع حدوث أضرار جسيمة لدولتي المصب.
ومع اكتمال السد، أصبحت القاهرة أمام واقع جديد، بينما تحاول عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية ضمان عدم تحول المشروع إلى مصدر دائم للضغط على أمنها المائي.
لماذا تتحرك إيطاليا الآن؟
وتأتي المبادرة الإيطالية في إطار توسيع التعاون بين روما والقاهرة.
فالمباحثات المصرية الإيطالية الأخيرة شملت ملفات تتجاوز أزمة المياه، من بينها الطاقة والتجارة والاستثمار والهجرة، إضافة إلى قضايا إقليمية أخرى.
وخلال اجتماعات اللجنة المصرية الإيطالية المشتركة، جرى بحث تعزيز التعاون الاقتصادي والطاقة، إلى جانب ملف الأمن المائي المصري، مع تأكيد إيطاليا دعمها للمبادئ المرتبطة بالقانون الدولي والتعاون بين دول حوض النيل.
وتملك إيطاليا أيضًا علاقات قوية مع إثيوبيا، وهو ما يراه تاياني عاملًا يمكن أن يساعد في فتح قنوات تواصل إضافية بين الطرفين.
هل تنجح الوساطة الإيطالية؟
رغم أهمية العرض الإيطالي، فإن روما لم تعلن بدء وساطة رسمية، بل عرضت المساعدة إذا وافقت مصر وإثيوبيا على ذلك.
وهذه النقطة تبدو مهمة، لأن نجاح أي وساطة يتطلب أولًا قبول الطرفين بها، ثم الاتفاق على أجندة واضحة للتفاوض وآلية تضمن تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.
كما أن حجم الخلاف المتراكم يجعل الوصول إلى تسوية سريعة أمرًا صعبًا، خصوصًا بعد اكتمال سد النهضة وبدء تشغيله.
لكن دخول طرف أوروبي جديد يمتلك علاقات مع القاهرة وأديس أبابا قد يوفر مساحة إضافية للحوار، خصوصًا إذا نجحت إيطاليا في تقديم نفسها كوسيط لا ينحاز إلى طرف على حساب الآخر.
القاهرة ترفض الإجراءات الأحادية
وفي الوقت الذي تدعو فيه روما إلى التفاوض، تؤكد القاهرة أن الحل يجب أن يقوم على احترام القانون الدولي والتنسيق بين دول النيل.
وتأتي هذه المواقف في ظل تشدد مصري متزايد تجاه خطط إثيوبيا المتعلقة بمشروعات جديدة على النيل الأزرق، بعدما أصبحت القاهرة أكثر قلقًا بشأن مستقبل تدفقات المياه إلى أراضيها.
وكانت مصر والسودان قد أكدا في مواقف سابقة أن سد النهضة يمثل مصدر قلق مستمر لدولتي المصب، وطالبا بالتوصل إلى ترتيبات قانونية تحكم تشغيله.
إثيوبيا أمام فرصة للحوار
في المقابل، فإن قبول أديس أبابا بأي مسار تفاوضي جديد قد يمنحها فرصة لتوضيح رؤيتها بشأن إدارة النيل ومشروعات الطاقة المستقبلية، خصوصًا أنها تؤكد أن السد يخدم التنمية وتوليد الكهرباء ولا يستهدف الإضرار بمصر أو السودان.
لكن أي مفاوضات جديدة ستكون مطالبة بالتعامل مع نقطة أساسية: كيف يمكن التوفيق بين حق إثيوبيا في التنمية واستغلال مواردها المائية، وحق مصر في حماية أمنها المائي؟
وهذه المعادلة هي جوهر الخلاف الذي فشلت الأطراف في حسمه خلال السنوات الماضية.
اختبار جديد للدبلوماسية
وتفتح المبادرة الإيطالية الباب أمام اختبار جديد للدبلوماسية في ملف النيل.
فإذا نجحت روما في إقناع القاهرة وأديس أبابا بالجلوس إلى طاولة تفاوض جديدة، فقد تتحول المبادرة إلى خطوة مهمة لإعادة تحريك ملف ظل مجمدًا لفترات طويلة.
أما إذا بقيت الخلافات السياسية والقانونية على حالها، فقد تظل الوساطة مجرد عرض دبلوماسي جديد ينضم إلى قائمة المبادرات السابقة التي لم تتمكن من إنهاء الأزمة.
وفي جميع الأحوال، فإن الإعلان الإيطالي يعكس حقيقة أساسية: أزمة مياه النيل لم تعد مجرد خلاف فني حول سد وتشغيله، بل أصبحت ملفًا استراتيجيًا يمس الأمن المائي والاستقرار الإقليمي في شرق أفريقيا وشمالها.
ومع استمرار الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا، تبدو الكرة الآن في ملعب الطرفين؛ فنجاح المبادرة الإيطالية لن يعتمد على رغبة روما وحدها، بل على استعداد مصر وإثيوبيا للعودة إلى طاولة الحوار والبحث عن صيغة تضمن مصالحهما وتمنع تحول مياه النيل إلى مصدر دائم للتوتر والصراع.









