لندن – المنشر الإخباري
لم تعد نتائج التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران محصورة في بيانات الجيوش أو مقاطع الفيديو المتداولة، بعدما بدأت صور الأقمار الصناعية تكشف جانبًا من آثار الضربات التي طالت مواقع عسكرية أمريكية في الخليج.
وتظهر تحليلات للصور الفضائية أضرارًا في عدد من المنشآت والقواعد التي تستضيف قوات أو أصولًا أمريكية، بينها مواقع في البحرين والكويت، في وقت تتواصل فيه الهجمات بالصواريخ والمسيّرات وسط تصاعد غير مسبوق في مستوى المواجهة الإقليمية.
الأسطول الخامس تحت المجهر
في البحرين، تتركز الأنظار على منشأة الدعم البحري الأمريكي في المنامة، التي تستضيف مقر الأسطول الخامس الأمريكي.
وأظهرت صور فضائية حديثة، جرى تداولها وتحليلها بعد الهجمات الأخيرة، علامة احتراق جديدة داخل المنشأة، لم تكن ظاهرة في صور سابقة بأيام قليلة. ولا يكفي هذا المؤشر وحده لإثبات طبيعة الإصابة أو تحديد السلاح الذي تسبب بها، لكنه يفتح الباب أمام احتمال تعرض الموقع لأضرار خلال موجة الهجمات الأخيرة.
وكانت تحليلات سابقة لصور الأقمار الصناعية قد وثقت بالفعل أضرارًا في منشآت تابعة للبحرية الأمريكية في البحرين، بما في ذلك منشآت اتصالات وتجهيزات عسكرية.
الكويت.. واحدة من أكثر الجبهات تعرضًا للضربات
في الكويت، تبدو الصورة أكثر وضوحًا، إذ وثقت تحليلات فضائية سابقة أضرارًا في عدد من المواقع العسكرية التي تستخدمها القوات الأمريكية.
وأظهر تحليل موسع لصور الأقمار الصناعية أضرارًا في منشآت ومعدات داخل قواعد أمريكية، شملت حظائر ومبانٍ ومخازن وقواعد اتصالات ومعدات دفاع جوي، إلى جانب أضرار في منشآت وقود.
وتبرز ضمن هذه المواقع قواعد علي السالم وعريفجان وبويرينغ، وهي منشآت تمثل أهمية كبيرة للبنية العسكرية الأمريكية في المنطقة.
أرقام تكشف حجم الضربات
تكشف مراجعات صور الأقمار الصناعية التي أجريت على مدى أشهر عن حجم أكبر من الأضرار التي كان معروفًا سابقًا.
وبحسب تحليل لصور فضائية نشر في وقت سابق، جرى تحديد أضرار أو تدمير في ما لا يقل عن 228 منشأة أو قطعة من المعدات داخل مواقع عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، مع تسجيل إصابات طالت حظائر ومبانٍ ومخازن وقود وطائرات وأنظمة رادار واتصالات ودفاع جوي.
وتشير هذه البيانات إلى أن تأثير الهجمات لم يكن محصورًا في إصابات سطحية أو نقاط متفرقة، بل امتد في بعض المواقع إلى عناصر من البنية التحتية العسكرية.
هل أصابت الضربات أهدافها مباشرة؟
هنا تصبح قراءة الصور أكثر تعقيدًا.
فوجود مبنى متضرر أو منطقة محترقة لا يعني بالضرورة أن صاروخًا أو مسيّرة أصاب الهدف مباشرة؛ إذ يمكن أن تكون بعض الأضرار ناجمة عن شظايا، أو اعتراضات جوية، أو سقوط حطام، أو حتى إجراءات خداع وتمويه اتخذتها القوات الموجودة داخل القواعد.
ولهذا، فإن صور الأقمار الصناعية تقدم دليلًا قويًا على وجود تغيرات وأضرار في المنشآت، لكنها لا تستطيع وحدها في كل حالة تحديد مصدر الانفجار أو نوع السلاح المستخدم أو حجم الخسائر البشرية.
من القواعد إلى منظومة الدفاع
الأضرار لا تتعلق بالمباني فقط.
فصور الأقمار الصناعية أظهرت في حالات سابقة إصابات طالت معدات اتصالات ورادارات ومنشآت دفاع جوي، ما يجعل أهمية الضربات مرتبطة بتأثيرها المحتمل على قدرة القواعد على العمل، وليس فقط بحجم الدمار الظاهر.
وفي هذا السياق، تصبح استهدافات الاتصالات والرادار والدفاع الجوي أكثر حساسية من الأضرار التي تلحق بالمباني غير العسكرية، لأنها يمكن أن تؤثر في قدرة القوات على الرصد والإنذار والاستجابة.
لماذا البحرين والكويت؟
تحتل البحرين والكويت موقعًا حساسًا في المنظومة العسكرية الأمريكية في الخليج.
فالبحرين تستضيف مقر الأسطول الخامس، بينما تضم الكويت عددًا من المنشآت التي تستخدمها القوات الأمريكية في عمليات الانتشار والدعم الإقليمي.
ومع اتساع نطاق المواجهة، أصبحت هذه المواقع في قلب الحسابات العسكرية، خصوصًا مع إعلان إيران تنفيذ هجمات على مواقع أمريكية في المنطقة، في حين أعلنت دول خليجية اعتراض صواريخ ومسيّرات إيرانية.
المعركة تمتد إلى أمن الطاقة
لا تتوقف تداعيات التصعيد عند القواعد العسكرية.
فالخليج يمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية، وأي توسع في العمليات العسكرية أو اضطراب في حركة الملاحة يمكن أن ينعكس سريعًا على أسواق النفط وأسعار الشحن والتأمين.
وقد تزامن التصعيد العسكري مع اضطرابات متزايدة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ما جعل أمن القواعد الأمريكية وأمن الطاقة والممرات البحرية ملفات مترابطة في الأزمة الحالية.
ماذا تقول الصور.. وماذا لا تقول؟
تكشف صور الأقمار الصناعية شيئًا مهمًا: الهجمات تركت آثارًا مادية في عدد من المواقع العسكرية الأمريكية في المنطقة.
لكنها لا تعطي وحدها الصورة الكاملة للحرب.
فحجم الخسائر البشرية، والقدرة العملياتية التي بقيت لدى القواعد، ونسبة الأهداف التي أصيبت مباشرة، كلها تحتاج إلى معلومات إضافية من مصادر مستقلة.
كما أن بعض المؤشرات الحديثة، خصوصًا في البحرين، لا تزال تحتاج إلى مزيد من الصور عالية الدقة والمقارنات الزمنية لتحديد طبيعة الضرر بصورة قاطعة.
الخليج أمام اختبار عسكري جديد
تكشف التطورات أن المواجهة بين واشنطن وطهران لم تعد محصورة في ضربات متبادلة داخل الأراضي الإيرانية، بل امتدت إلى شبكة القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج والمنطقة.
ومع استمرار الهجمات وتطور وسائل الاستهداف، تصبح صور الأقمار الصناعية واحدة من أهم الأدوات التي يمكن من خلالها قياس آثار المعركة بعيدًا عن البيانات الدعائية للطرفين.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط كم قاعدة أمريكية تعرضت للضرب؟، وإنما: إلى أي مدى استطاعت إيران إلحاق ضرر فعلي بالبنية العسكرية الأمريكية في الخليج، وهل يمكن أن تتحول هذه الضربات من رسائل ردع إلى تهديد طويل الأمد لقدرة واشنطن على العمل من المنطقة؟
الإجابة ستتحدد مع ظهور صور فضائية جديدة، وصدور تقييمات أكثر تفصيلًا للأضرار، واتضاح ما إذا كان التصعيد الحالي سيتوقف عند حدود الضربات المتبادلة أم سيتحول إلى مواجهة أوسع تهدد أمن الخليج والطاقة العالمية.










