برلين- المنشر_الاخباري
ربط الكرملين بين الضغوط الاقتصادية التي تواجهها ألمانيا وارتفاع تكاليف الطاقة، معتبرًا أن قرار برلين التخلي عن الغاز الروسي منخفض التكلفة والاعتماد على إمدادات أكثر تكلفة من دول أخرى ساهم في تراجع القدرة التنافسية للاقتصاد الألماني، ودفع جزءًا من المواطنين إلى البحث عن بدائل سياسية للسلطات الحالية.
وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، اليوم الاثنين، إن موسكو تلاحظ تراجع القدرة التنافسية للاقتصاد الألماني، معتبرًا أن ذلك يعود، إلى حد كبير، إلى توقف ألمانيا عن شراء الغاز الروسي الرخيص واتجاهها إلى شراء إمدادات أكثر تكلفة في السوق الفورية من دول أخرى، ولا سيما الولايات المتحدة.
وأضاف بيسكوف أن موسكو تلاحظ أيضًا انخفاض مستويات التأييد للحكومة الألمانية الحالية، معتبرًا أن جزءًا من الألمان يبحثون عن بديل للقيادة الحالية بهدف تحسين أوضاعهم.
وقال المتحدث باسم الكرملين إن هذا التحول يمثل، من وجهة نظر موسكو، «عملية طبيعية»، في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية التي تمر بها ألمانيا.
الطاقة في قلب الجدل السياسي
وجاءت تصريحات بيسكوف بعد الانتخابات الإقليمية التي شهدتها ولايتا مكلنبورغ-فوربومرن وبرلين، والتي أسفرت عن مكاسب مهمة لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في مكلنبورغ-فوربومرن، بينما تصدر حزب اليسار الانتخابات في العاصمة برلين.
وأظهرت النتائج تعرض حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الذي ينتمي إليه المستشار فريدريش ميرتس، لخسارة كبيرة في مكلنبورغ-فوربومرن، حيث لم يتمكن من تجاوز نسبة 5% اللازمة لدخول البرلمان المحلي، في أسوأ نتيجة للحزب في انتخابات إقليمية منذ تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية.
وأصبحت القضايا الاقتصادية وتكاليف المعيشة والطاقة من الملفات التي تشغل الناخبين الألمان، بالتزامن مع استمرار الضغوط على الاقتصاد الألماني وتسريح أعداد كبيرة من العاملين في قطاعات صناعية مختلفة.
صعود «البديل من أجل ألمانيا»
حقق حزب «البديل من أجل ألمانيا» تقدمًا في الانتخابات الإقليمية الأخيرة، وأصبح القوة الأولى في مكلنبورغ-فوربومرن، في ثاني انتصار انتخابي للحزب على مستوى الولايات خلال سبتمبر الجاري، بعد فوزه في انتخابات ساكسونيا-أنهالت في وقت سابق من الشهر.
ويركز الحزب في جزء من خطابه الاقتصادي على خفض تكاليف الطاقة، كما دعا إلى إعادة تشغيل خطوط «نورد ستريم» واستئناف إمدادات الغاز الروسي، معتبرًا أن عودة الغاز الروسي يمكن أن تساهم في خفض أسعار الطاقة وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الألماني.
لكن صعود الحزب لا يعني أنه أصبح جزءًا من الحكومة الاتحادية أو أنه قادر على تغيير سياسة الطاقة الألمانية بمفرده، إذ تواصل الأحزاب الرئيسية رفض التعاون السياسي معه وفق ما يعرف في ألمانيا بسياسة «جدار الحماية» ضد الحزب.
خلاف حول أسباب تراجع الاقتصاد
ويقدم الكرملين مسألة الغاز الروسي باعتبارها عاملًا رئيسيًا وراء الضغوط التي تواجهها الصناعة الألمانية، إلا أن تراجع الاقتصاد الألماني لا يرتبط بعامل واحد.
وتواجه ألمانيا مجموعة من التحديات الاقتصادية، من بينها ارتفاع تكاليف الطاقة، وضعف الطلب، والمنافسة الصناعية العالمية، إلى جانب الضغوط التي تتعرض لها قطاعات صناعية مهمة.
وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات حديثة أن أوروبا تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الغاز وانخفاض مستويات التخزين مقارنة بالمتوسطات الموسمية، الأمر الذي يزيد المخاوف بشأن تكاليف الطاقة والنمو الاقتصادي.
وبحسب رويترز، فإن ارتفاع أسعار الطاقة والقلق بشأن تكاليف المعيشة أصبحا من العوامل التي تؤثر في توجهات الناخبين في ألمانيا، إلى جانب قضايا أخرى مثل الهجرة والوظائف الصناعية والسياسة تجاه الحرب في أوكرانيا.
موسكو تراهن على ملف الغاز
وتأتي تصريحات الكرملين في وقت عاد فيه ملف استئناف إمدادات الغاز الروسي إلى ألمانيا إلى النقاش السياسي، خصوصًا بعد المكاسب الانتخابية التي حققها «البديل من أجل ألمانيا».
وكانت رويترز قد أفادت في وقت سابق بأن مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للشؤون الاقتصادية كيريل دميترييف وقيادة حزب «البديل من أجل ألمانيا» بدأوا الاستعداد لعقد لقاء محتمل العام المقبل لبحث إمكانية استئناف إمدادات الغاز الروسي إلى ألمانيا. وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها الوكالة، فإن إعادة تشغيل خطوط «نورد ستريم» ستكون من بين الموضوعات التي قد تتم مناقشتها.
وتظل هذه الخطط ذات طابع سياسي وغير ملزمة للحكومة الألمانية، إذ إن «البديل من أجل ألمانيا» لا يتولى الحكم على المستوى الاتحادي، كما أن استئناف إمدادات الغاز الروسي سيحتاج إلى تغييرات كبيرة في السياسة الأوروبية والألمانية المتعلقة بالطاقة والعقوبات والعلاقات مع موسكو.
ميرتس تحت ضغط سياسي
وتأتي التطورات الأخيرة في وقت يواجه فيه المستشار فريدريش ميرتس ضغوطًا سياسية متزايدة بعد النتائج الإقليمية الأخيرة.
وقال ميرتس إن نتيجة حزبه في مكلنبورغ-فوربومرن كانت «كارثة»، لكنه أكد عزمه مواصلة العمل على أجندته الإصلاحية. وفي المقابل، أثارت النتائج نقاشًا داخل الائتلاف الحاكم حول السياسات الاقتصادية وقدرة الحكومة على التعامل مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتحديات الاقتصاد.
ويرى الكرملين أن هذه التطورات تؤكد وجود حالة من عدم الرضا داخل شريحة من المجتمع الألماني، ويربطها بشكل مباشر بسياسات الطاقة التي اتبعتها برلين خلال السنوات الماضية.
ومع ذلك، فإن تحديد أسباب التحولات الانتخابية الأخيرة في ألمانيا يبقى أكثر تعقيدًا من ربطها بملف الطاقة وحده، في ظل تعدد القضايا التي يضعها الناخبون في الاعتبار، من الاقتصاد والهجرة إلى السياسة الخارجية والحرب في أوكرانيا.
وتشير التطورات إلى أن ملف الطاقة الروسية سيظل حاضرًا بقوة في النقاش السياسي الألماني، خصوصًا مع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والضغوط التي تواجه الصناعة، بينما تتمسك الحكومة الألمانية بسياسة تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على روسيا.










