تل أبيب- المنشر_الاخباري
كشفت تقارير ووثائق إسرائيلية عن آلية واسعة لرصد الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين حول العالم، تعتمد على جمع معلومات تفصيلية عن المظاهرات المرتقبة في عشرات الدول، بما في ذلك مواعيدها وأماكنها والإحداثيات الجغرافية ومجموعات التنظيم وأعداد متابعيها، إلى جانب تقدير مستوى المخاطر المرتبط بكل فعالية.
وتصدر هذه التقارير عن وزارة شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية الإسرائيلية، التي تقول إن الهدف من عمليات الرصد هو متابعة التهديدات التي قد تواجه الجاليات اليهودية والمصالح الإسرائيلية في الخارج.
وتظهر وثائق منشورة على موقع الحكومة الإسرائيلية أن التقارير لا تكتفي برصد وجود مظاهرة، وإنما تتضمن في بعض الحالات إحداثيات دقيقة لمكان التجمع، وبيانات عن الجهات المنظمة، وعدد متابعيها على منصات التواصل الاجتماعي، والمسافة بين موقع الاحتجاج وأقرب منشأة أو مصلحة إسرائيلية، إضافة إلى تصنيف مستوى الخطر.
آلاف الفعاليات تحت الرصد
ويأتي هذا النظام في إطار عملية مراقبة إلكترونية واسعة تعتمد، وفق ما توضحه الوزارة في تقاريرها، على المعلومات المتاحة عبر الإنترنت وأنظمة تقنية لرصد النشاط الاحتجاجي.
وفي تقرير حديث أعدته الوزارة، جرى تحديد 77 فعالية مؤيدة للفلسطينيين في 20 دولة خلال الفترة المحيطة بذكرى السابع من أكتوبر، بينها فعاليات في أستراليا وإسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وكندا ودول أخرى.
وصنفت الوزارة الفعاليات وفق مستويات مختلفة من المخاطر، كما درست مدى قرب بعضها من السفارات والقنصليات والفنادق وغيرها من المواقع المرتبطة بإسرائيل. ووفق التقرير، كانت هناك 12 فعالية مخططًا لها على مسافة لا تتجاوز 2.5 كيلومتر من مواقع إسرائيلية.
إحداثيات ومعلومات عن المنظمين
وتكشف وثائق الوزارة المنشورة على موقع الحكومة الإسرائيلية مستوى التفاصيل التي يمكن أن تصل إليها عملية الرصد.
ففي أحد التقارير الأسبوعية، أُدرجت مظاهرة مقررة في كندا مع إحداثيات موقعها الجغرافي، واسم المجموعات المنظمة وأعداد متابعيها، إضافة إلى تقييم مستوى المخاطر ووصف للهدف المعلن من الاحتجاج.
وفي حالة أخرى، رصد التقرير تجمعًا أمام السفارة الإسرائيلية في مكسيكو سيتي، مع تحديد الجهات المنظمة وعدد متابعيها وتقييم المخاطر والمسافة عن المنشأة الإسرائيلية. كما تضمن التقرير فعالية في مدينة لايبزيغ الألمانية، مع بيانات عن المجموعة المنظمة وأعداد متابعيها.
وتشير هذه التفاصيل إلى أن الرصد لا يقتصر على متابعة الأحداث بعد وقوعها، بل يمتد إلى محاولة توقع الاحتجاجات قبل حدوثها، وتحديد أماكنها والجهات التي تقف وراء تنظيمها وتقدير مستوى المخاطر المحتملة.
إسرائيل: الهدف حماية الجاليات
وتقدم الحكومة الإسرائيلية هذه الأنشطة باعتبارها جزءًا من حماية اليهود والإسرائيليين في الخارج ومواجهة ما تصفه بارتفاع مستويات معاداة السامية والتهديدات الأمنية.
وكانت لجنة الهجرة والاستيعاب وشؤون الشتات في الكنيست قد ناقشت في مارس الماضي أمن الجاليات اليهودية حول العالم، فيما قالت وزارة شؤون الشتات إنها طورت قدرات إضافية في مجال المراقبة، بما في ذلك التواصل المباشر مع الجيش الإسرائيلي عند الحاجة.
كما أصدرت إسرائيل في حالات سابقة تحذيرات لمواطنيها في دول تشهد احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين، مطالبة إياهم بالابتعاد عن مواقع التجمعات وتجنب إظهار الرموز الإسرائيلية أو اليهودية في بعض الظروف التي اعتبرتها عالية الخطورة.
انتقادات تتعلق بالمراقبة
لكن طبيعة المعلومات التي تجمعها التقارير أثارت تساؤلات وانتقادات بشأن حدود المراقبة الحكومية للنشاط السياسي والاحتجاجي خارج إسرائيل.
ويرى منتقدون أن جمع أسماء المجموعات المنظمة وأعداد متابعيها، إلى جانب تحديد مواقع الاحتجاجات بدقة وتصنيف المشاركين والجهات المنظمة وفق مستويات للمخاطر، قد يتحول من أداة لحماية الجاليات إلى شكل من أشكال المراقبة المنهجية للنشاط السياسي والاحتجاجي.
وتزداد حساسية هذه المسألة عندما يتعلق الرصد باحتجاجات سلمية أو جماعات سياسية وحقوقية تمارس حقها في التظاهر، إذ إن تصنيف فعالية أو مجموعة باعتبارها «عالية المخاطر» لا يعني بحد ذاته أن المشاركين ارتكبوا مخالفة أو أن الاحتجاج غير قانوني.
كما أن الوزارة نفسها تشير في تقاريرها إلى أن المعلومات تعتمد على الرصد الشبكي ومصادر متاحة عبر الإنترنت، وتقر بأن البيانات قد لا تكون مكتملة أو خالية من الأخطاء.
من حماية الجاليات إلى مراقبة الاحتجاجات
وتكشف هذه التقارير عن اتساع نطاق اهتمام المؤسسات الإسرائيلية بالنشاط المؤيد للفلسطينيين خارج إسرائيل، خصوصًا مع استمرار الاحتجاجات في عدد كبير من الدول منذ اندلاع الحرب في غزة.
وفي سبتمبر، أثار تقرير إسرائيلي آخر الانتباه إلى حجم هذه العملية، بعدما أشار إلى رصد عشرات الفعاليات في عشرين دولة خلال فترة زمنية قصيرة، مع تحديد الفعاليات القريبة من مواقع إسرائيلية وتصنيف مستويات الخطر المرتبطة بها.
وبينما تقول إسرائيل إن الهدف الأساسي هو حماية مواطنيها وجالياتها في الخارج من التهديدات المحتملة، فإن حجم البيانات التي تجمعها التقارير وطبيعة التفاصيل الواردة فيها يفتحان نقاشًا أوسع حول الحدود الفاصلة بين الرصد الأمني المشروع ومراقبة النشاط الاحتجاجي والسياسي.
وتبقى حقيقة أن جزءًا كبيرًا من هذه البيانات منشورًا على منصات حكومية إسرائيلية، ما يجعلها نموذجًا لعملية رصد مفتوحة المصدر تجمع المعلومات المنشورة علنًا عن احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين في دول متعددة حول العالم.










