“تصريحات بنيامين نتنياهو تفتقد الواقعية، ويسعى من خلالها إلى تحميل الدول الأخرى مسؤولية فشله في تحقيق أهدافه في قطاع غزة، الذي شهد إبادة جماعية”، كان ذلك رداً مصرياً مدوياً على هرطقات مهزومة جاءت على لسان رئيس وزراء إسرائيل، الذي يعاني من متلازمة أنفاق غزة، وقد عجز عن انقاذ ساقيه من وحل الهزيمة.
قديماً كانت السيدات فى المناطق الشعبية يلفُّفن أجسادهن بملاءة سوداء عند نشوب الخلافات أو “الخناقات”، وبسببها جاء تعبير “أفرش لك الملاية”، وكان يحدث أن تختلف إحداهن مع أخرى، فتفرش ملاءتها على الأرض وتجلس عليها، متوعدة خصمتها بالبقاء لأطول مدة ممكنة، بقصد التفرغ “للردح” دون أدنى استعجال، لترويع السيدة الخِصم.
والطريف أن الرادح هنا هو نتنياهو، الذي أثبت أنه لا يهمه عودة المحتجزين الإسرائيليين أحياء، طالما ذلك يتعارض مع أهدافه ومصالحه الشخصية، بحسب تصريح لمصدر أمني مصري رفيع المستوى لـ”القاهرة الإخبارية”.
وفي مؤتمره الصحفي الأخير، حاول نتنياهو الذي تنتظره محاكمة قضائية وربما السجن في اسرائيل، استفزاز مصر، بإعلان رغبته البقاء في محور فيلادلفي، وهو الخط الأحمر لها، وردد مزاعم حول تهريب أسلحة إلى غزة، وهو ما أثار غضب زملائه في مجلس الوزراء الإسرائيلي، وعلى رأسهم وزير الدفاع يوآف غالانت.
وكشف خبير أمني مصري كواليس مشادة وخلاف حاد بين نتنياهو ووزير دفاعه بشأن محور فيلادلفي، وخططه ونواياه التي يسوق فيها العالم أجمع خلفه ليحققها.
وقال اللواء مروان مصطفى، المدير الأسبق للمكتب العربي للإعلام الأمني بمجلس وزراء الداخلية العرب، إنه وفقاً لما أمكن الحصول عليه من تسريبات لمحضر الاجتماع الأخير بين نتنياهو ووزرائه والتي تم ترجمتها، يمكن القول إن الاجتماع كان عاصفا، وفي بدايته عرض نتنياهو مجموعة من الخرائط التي أعدها الجيش لتقليص الوجود العسكري في محور فيلادلفي وأماكن انتشاره، وطلب التصويت عليها بالموافقة، وهو بند لم يكن الوزراء على علم به مسبقاً قبل الاجتماع.
وكشفت التسريبات -وفقا لما يقول الخبير الأمني المصري- أن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت اعترض على ذلك، وطلب معرفة أسباب وضرورة التصويت، مشيراً إلى أن التصويت بالموافقة سيؤدي حتماً لفشل المفاوضات، لأن حماس ومصر لن توافقا عليه مما سيؤدي بالضرورة لعدم إطلاق سراح الرهائن.
وحسب التسريبات، فقد رد نتنياهو بحدة وقال إن هذا هو القرار، وأسرع رون ديرمر، وزير الشؤون الاستراتيجية، بالبدء الفوري في إجراءات التصويت، ثم صدر تعقيب من غالانت قال فيه إن نتنياهو فرض رأيه على الأجهزة الأمنية وعلى الجيش، وأن تلك الخرائط لا تعبر عن رؤيتهم الحقيقية التي سبق أن أعلنوها بعدم جدوى احتلال ممر فيلادلفي.
إزاء ذلك رد نتنياهو بعصبية وقال “أنا فرضت”، فرد عليه غالانت “بالطبع لقد فعلت ذلك، وأنت تدير المفاوضات بنفسك، ونحن لا نعلم بالقرارات إلا بعد صدورها، والجيش والأجهزة الأمنية لديهم آراء مختلفة”.
تصريحات نتنياهو المعادية لمصر، أثارت استياء عدد من الدول العربية، التي أصدرت بيانات رفض لهذه التصريحات، مع إعلان تضامنها مع مصر في مواجهة المزاعم الإسرائيلية، من بين هذه الدول الملكة العربية السعودية، والإمارات، والكويت، وقطر، وسلطنة عمان، والأردن، والعراق، كما أصدرت جامعة الدول العربية بيانا بهذا الصدد.
وتزامنا مع زيارة الرئيس السيسي إلى تركيا، أصدرت وزارة الخارجية التركية بيانًا رأت فيه أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة حول محور فيلادلفيا “غير مقبولة”.
وجاء في بيان الخارجية التركية الذي نشرته قناة “TRT عربي” الرسمية التركية: “يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أكاذيبه بهدف التلاعب بالرأي العام من أجل التغطية على الجرائم التي يرتكبها في غزة، وعرقلة مباحثات وقف إطلاق النار”، حسب قولها.
وفي سياق متصل، أجرى رئيس أركان القوات المسلحة المصرية الفريق أحمد خليفة، ظهر اليوم الخميس، زيارة مفاجئة لتفقد الأوضاع الأمنية وإجراءات التأمين على الحدود مع غزة، بينما ظهرت التشكيلات العسكرية المختلفة، والدبابات المصرية على طول الحدود الشرقية للبلاد مع قطاع غزة وأمام معبر رفح.
ويستند الخبير الأمني في ذلك إلى أن ترامب أعلن أن مساحة إسرائيل على الخريطة صغيرة ويجب توسيعها، ولذا فإن نتنياهو يسعى بكل السبل لإفشال كافة جهود ومساعي الرئيس بايدن لإنهاء الحرب وإعادة الرهائن، حتى يزيد من فرص نجاح ترامب وحزبه الجمهوري.
وأضاف الخبير الأمني المصري أن نتنياهو يعتقد أن مصر كانت العقبة الأساسية لتنفيذ صفقة القرن التي كانت بمثابة الحل الأمثل والأنسب لخروج إسرائيل من مأزقها، ولذا يرى رئيس وزراء إسرائيل أن مصر يجب عليها أن تدفع ثمناً غالياً لإفشالها تلك الصفقة.
موضحا أن ذلك سيكون من خلال التعنت والإصرار على تخطي خطوط مصر الحمراء، والبقاء في محور فيلادلفي، وإلقاء اتهامات وهمية بوجود أنفاق دون أي دلائل، والسيطرة على معبر رفح الفلسطيني لقطع صلتها بقطاع غزة.
وأضاف أن هذا الأمر سيحقق كما يعتقد نتنياهو تحجيم دور مصر والاستغناء عنه فيما يتعلق بالمستقبل الفلسطيني، أو جرها للدخول في مواجهة عسكرية فشلت كل المحاولات السابقة في جرها إليها.
وكانت مصر قد ردت مجددا على المزاعم التي رددها بنيامين نتنياهو في خطاب جديد له أمس بتهريب السلاح منها لغزة، وأكد مصدر مصري رفيع المستوى أن نتنياهو يمهد من خلال ادعاءاته بتهريب السلاح من مصر لإعلان فشله الأمني والسياسي، وعدم العثور على الرهائن أو تحقيق أي انتصار عسكري في غزة والضفة، مشيرا إلى استياء كافة الأطراف من استمرار رئيس وزراء إسرائيل في إفشال الوصول لاتفاق هدنة.












