عناوين مقترحة“الشرع يفتح ملف الأكراد: جنسية وحقوق سياسية أم صفقة لاحتواء الشمال الشرقي؟
تعيش الساحة السورية منذ أسابيع على وقع تطورات متسارعة في أزمة العلاقة بين الدولة المركزية في دمشق والأكراد في الشمال الشرقي، بعد الإعلان عن اتفاق شامل بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، بالتوازي مع صدور مرسوم رئاسي يُنظّم حقوق الأكراد ويمنح الجنسية لعشرات الآلاف منهم لأول مرة منذ عقود.
وبينما خرج آلاف الأكراد في تظاهرات داعمة لـ“الوحدة الكردية” في القامشلي ومناطق أخرى، كثّف الرئيس السوري أحمد الشرع رسائله العلنية للأكراد، مؤكداً أنهم جزء أصيل من الهوية الوطنية السورية، وأن الدولة ماضية في دمج مؤسساتهم العسكرية والإدارية ضمن بنية الدولة الجديدة، في خطوة يراها البعض اختراقاً تاريخياً، فيما يتهمه آخرون بمحاولة احتواء القضية الكردية دون معالجة جذورها السياسية كاملة
خلفية الأزمة الكردية في سوريا الجديدة
منذ سقوط نظام بشار الأسد وتشكّل السلطة الانتقالية الجديدة، أعاد موقع الأكراد في الشمال والشرق السوري رسم خريطة النفوذ، بعدما تحوّلت مناطقهم إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها مصالح قوى محلية وإقليمية ودولية.
سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة غربياً سابقاً، ثم انكفاؤها أمام تقدّم الجيش السوري وقوى حليفة لأنقرة في مراحل مختلفة، تركت وراءها إرثاً من التوترات، وموجات نزوح واسعة، وهواجس متبادلة بين دمشق والأكراد، خاصة على خلفية انتهاكات وتغييرات ديموغرافية طالت مناطق ذات غالبية كردية.
مع نهاية 2025 وبداية 2026، دخلت الأزمة طوراً جديداً مع اشتباكات محدودة بين الجيش السوري ووحدات من “قسد” في الحسكة والرقة، ما أعاد التذكير بهشاشة الترتيبات الأمنية المؤقتة، وأظهر حاجة ملحّة لاتفاق سياسي – أمني أكثر ثباتاً يحدد دور القوات الكردية ومستقبل الإدارة الذاتية السابقة.
الاتفاق الشامل بين دمشق و“قسد”في 30 يناير 2026، أعلنت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية التوصل إلى “اتفاق شامل” يتضمن وقفاً لإطلاق النار، وخطة متدرجة لدمج القوات الكردية والإدارات الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية
ينص الاتفاق، بحسب ما كشفته تسريبات وتحليلات مراكز بحثية، على دمج البنى الإدارية الكردية في الهياكل الحكومية الرسمية، وإنشاء ألوية عسكرية كردية ضمن الجيش السوري، إلى جانب إعادة انتشار متبادل في خطوط التماس في كوباني ومناطق أخرى في الشمال الشرقي.
يترافق ذلك مع تفاهمات سياسية أوسع، تشمل ضمان تمثيل منبثق عن “قسد” والأكراد في مؤسسات الحكم المركزي واللجنة المكلفة بصياغة الدستور الجديد، بما يمنحهم وزناً في معادلة السلطة، دون الاعتراف بأي صيغة انفصالية أو فيدرالية صريحة، وهو ما تصرّ دمشق على رفضه حتى الآن.
ورغم الترحيب الحذر في بعض الأوساط الكردية، تحذّر تقارير بحثية من أن أي تعثّر في تنفيذ بنود الدمج أو تشظي القيادة الكردية قد يفتح الباب أمام انهيار الاتفاق وتجدد المواجهات بشكل يهدد الأمن الهش في الشمال الشرفى
المرسوم الرئاسي: حقوق وجنسية وانتظاراتأهم تطور قانوني تمثل في مرسوم رئاسي أصدره أحمد الشرع منتصف يناير، يقضي بتجنيس مئات الآلاف من الأكراد المقيمين في سوريا، بمن فيهم فئة “مكتومي القيد” الذين حُرموا من الجنسية منذ إحصاء 1962، مع وعود بترسيخ هذه الحقوق في الدستور الدائم
هذا المرسوم وُصف بأنه خطوة تاريخية تنهي عقوداً من الحرمان القانوني، وتمنح عشرات الآلاف إمكانية الوصول إلى التعليم الرسمي، والوظائف، والملكية، والتمثيل السياسي ضمن إطار الدولة السورية الموحدة.
وزارة الداخلية السورية أعلنت لاحقاً بدء تنفيذ القرار عملياً، مؤكدة منح الجنسية للمواطنين من أصول كردية، في حين أشار قانونيون إلى أن هذه الخطوة تشكّل مدخلاً لحل ملف شائك ظل رمزاً لتهميش الأكراد لعقود.
لكن ناشطين أكراداً يحذّرون من أن تجنيس الأفراد دون الاعتراف بخصوصية ثقافية ولغوية واضحة في الدستور، وبضمانات لمنع التمييز في المؤسسات الأمنية والعسكرية، قد يحوّل المرسوم إلى أداة اندماج شكلي لا تغيّر جذور الشعور بعدم المساواة.
تصريحات الشرع ورسائله إلى الأكراد
في خطاب متلفز حديث، توجه الرئيس أحمد الشرع إلى “أهلنا الكرد” مؤكداً أنه لا فضل لعربي على كردي ولا لتركمانـي أو غيره إلا بالصلاح، وأن الدولة لا تريد شراً بالأكراد بل تدعوهم إلى المشاركة الكاملة في إعادة إعمار سوريا وبناء دولة يتسع وطنها لجميع مكوّناتها.
شدّد الشرع على أن كل من يمسّ الأكراد بسوء هو “خصيم للدولة”، في محاولة واضحة لطمأنة الشارع الكردي بعد سنوات من انعدام الثقة، معلناً في الوقت ذاته إصداره مرسوماً خاصاً يضمن حقوقهم في إطار دولة موحدة.
غير أن هذه الرسائل التصالحية تتزامن مع انتقادات كردية، ظهرت في تقارير إعلامية وحديث محللين، تتهم الشرع بعدم القطع الكامل مع “ذهنيات الفصائل والمرجعيات الضيقة”، وتعتبر أن مقاربة السلطة الجديدة لا تزال أمنية أكثر منها سياسية، خاصة في إدارة العلاقة مع القوى الكردية المسلحة في الشمال الشرقي.
ويشير مراقبون إلى أن نجاح خطاب الشرع في طي صفحة التوتر التاريخي مشروط بمدى الالتزام بتطبيق الاتفاقات على الأرض، وفتح حوار أوسع حول تقاسم السلطة، والتمثيل، والحقوق الثقافية، وليس الاكتفاء بشعارات الوحدة الوطنية.
الشمال الشرقي بين الفرصة والمخاطرالتطورات الأخيرة تضع الشمال الشرقي أمام مفترق طرق، بين سيناريو ترسيخ شراكة جديدة بين دمشق والأكراد تستند إلى تجنيس كامل، وتمثيل سياسي ودستوري حقيقي، ودمج منظم للقوى المسلحة، وبين سيناريو انهيار الاتفاق والعودة إلى مربع الصدام في بيئة مشحونة بتدخلات خارجية.
فالقوى الدولية والإقليمية التي راكمت نفوذاً في تلك المنطقة، من الولايات المتحدة إلى تركيا وقوى أخرى، تواصل مراقبة مسار التقارب بين الحكومة السورية و“قسد”، بما يحمله من تأثير على ملفات محاربة تنظيم “داعش”، وترتيب النفوذ، ومستقبل الحدود والموارد النفطيةفي المقابل، يضع الأكراد في سوريا كثيراً من الآمال، ولكن أيضاً كثيراً من الريبة، في سلة المرسوم الرئاسي والاتفاق الشامل، بين من يرى فيهما بداية نهاية تهميش دام ثمانية عقود، ومن يخشى أن تكون هذه الترتيبات مجرد جولة جديدة في تاريخ طويل من الوعود المؤجلة التي لم تتحوّل بعد إلى عقد اجتماعي متوازن يضمن شراكة كاملة في سوريا ما بعد الحرب.










