إصابات وخسائر متراكمة وأعطال تشغيلية تلاحق الأسطول الأمريكي.. وتطرح تساؤلات حول قدرة واشنطن على الاستمرار في حرب استنزاف طويلة
طهران – المنشر الإخبارى
في تطور جديد يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المؤسسة العسكرية الأمريكية، اندلع حريق على متن حاملة الطائرات «يو إس إس دوايت دي أيزنهاور»، ما أسفر عن إصابة ثمانية بحارة خلال أعمال صيانة داخل حوض نورفولك البحري بولاية فيرجينيا.
وأكدت البحرية الأمريكية وقوع الحادث، موضحة أن التحقيقات لا تزال جارية لمعرفة أسبابه، في وقت كانت فيه الحاملة النووية من طراز “نيميتز” تخضع لبرنامج صيانة دوري ممتد منذ أكثر من 16 شهرًا.
هذا الحادث لم يكن معزولًا، بل يأتي بعد أسابيع قليلة من واقعة أكثر خطورة طالت حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر فورد»، التي تُعد الأحدث والأغلى في الأسطول الأمريكي، حيث اندلع حريق كبير على متنها استغرق إخماده نحو 30 ساعة، وأدى إلى أزمة تشغيلية حادة تمثلت في فقدان أكثر من 600 بحار لأماكن نومهم، قبل أن تضطر السفينة إلى التوجه لقاعدة سودا باي في اليونان لإجراء إصلاحات عاجلة.
تزامن هذه الحوادث مع تصاعد العمليات العسكرية في منطقة غرب آسيا يمنحها أبعادًا تتجاوز الأعطال الفنية، إذ كانت الحاملتان تعملان في نطاق العمليات المرتبطة بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ما يطرح تساؤلات حول جاهزية الأسطول الأمريكي في بيئة قتالية عالية التعقيد.
ورغم محاولة وزارة الدفاع الأمريكية التقليل من أهمية حادثة “جيرالد فورد”، ووصفتها بأنها “غير قتالية”، فإن هذا التفسير قوبل برفض من قبل الحرس الثوري الإيراني، الذي اعتبر أن وجود الحاملة في مناطق النزاع يجعلها هدفًا مشروعًا، في إشارة إلى أن الانسحاب قد يكون مرتبطًا بضغط ميداني وليس مجرد حادث عرضي.
وفي سياق متصل، تشير تقارير ميدانية إلى أن القوات الأمريكية تكبدت خسائر ملحوظة منذ اندلاع العمليات في 28 فبراير، شملت سقوط أو تحطم نحو 16 طائرة، بين مقاتلات وطائرات بدون طيار ومنصات دعم لوجستي.
ومن أبرز هذه الخسائر، تحطم طائرة استطلاع استراتيجية من طراز «إم كيو-4 سي ترايتون»، تبلغ قيمتها نحو 245 مليون دولار، في مياه الخليج، بعد إعلان حالة طوارئ أثناء تحليقها فوق مضيق هرمز.
وفي تصريح لافت، أقر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتعرض حاملة الطائرات “جيرالد فورد” لهجوم منسق من عدة اتجاهات خلال وجودها في البحر الأحمر، ناقلًا عن أحد قادة البحرية وصفه للهجوم بأنه كان كثيفًا إلى حد “الفرار لإنقاذ الأرواح”.
كما أعلنت إيران في وقت سابق تنفيذ ضربات ناجحة بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، ضمن سلسلة عملياتها العسكرية في المنطقة.
هذه التطورات تعكس، وفق مراقبين، أزمة أعمق تتعلق بقدرة البحرية الأمريكية على الحفاظ على جاهزيتها في ظل حرب ممتدة، حيث دخلت حاملة “جيرالد فورد” شهرها العاشر من الانتشار، أي ضعف المدة التشغيلية المعتادة، وسط ظروف معيشية صعبة للطاقم، شملت أعطالًا في المرافق الأساسية ونقصًا في الخدمات اليومية.
ويشير خبراء إلى أن الاستراتيجية الإيرانية تعتمد على استنزاف الخصم بدل المواجهة المباشرة، مستفيدة من طبيعة الممرات البحرية الضيقة، مثل مضيق هرمز، حيث تصبح السفن الكبيرة أهدافًا سهلة نسبيًا للصواريخ الساحلية والطائرات المسيّرة.
وفي هذا الإطار، حذر مسؤولون إيرانيون من أن السفن الأمريكية في المنطقة تواجه مخاطر متزايدة، مؤكدين أن أي تصعيد إضافي قد يعرّض هذه الأصول لضربات مباشرة.
بالتوازي، يواجه الجيش الأمريكي تحديًا آخر يتمثل في استنزاف مخزونات الذخيرة، إذ تشير تقديرات إلى أن معدلات استخدام صواريخ مثل “باتريوت” و”ثاد” و”توماهوك” تفوق القدرة الإنتاجية الحالية، ما قد يستغرق سنوات لإعادة بنائها.
كما أن التكلفة الاقتصادية للحرب تضيف عبئًا إضافيًا، حيث تُقدّر النفقات اليومية بنحو مليار دولار، مع توقعات بأن تطلب وزارة الدفاع تمويلًا طارئًا قد يصل إلى 200 مليار دولار لمواصلة العمليات.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو حاملات الطائرات—التي طالما مثلت رمز الهيمنة العسكرية الأمريكية—أمام اختبار حقيقي، حيث لم تعد فقط أداة ردع، بل تحولت إلى مؤشر على حدود القوة في مواجهة حروب الاستنزاف طويلة الأمد، التي لا تُحسم بالقوة النارية وحدها، بل بقدرة الأنظمة العسكرية على التحمل والاستمرارية.










