انشغال الغرب بالشرق الأوسط يفتح تساؤلات حول توازنات الحرب الروسية الأوكرانية ومكاسب موسكو الاقتصادية
برلين – المنشر الآخبارى
في الوقت الذي تتصدر فيه الحرب في الشرق الأوسط المشهد الدولي وتستحوذ على اهتمام العواصم الغربية، يتجدد الجدل حول انعكاسات هذا التحول على مسار الحرب الروسية الأوكرانية، التي دخلت عامها الثالث دون حسم واضح. وبينما تتصاعد المواجهات في أكثر من جبهة إقليمية، يبرز سؤال مركزي في دوائر التحليل السياسي: هل استفادت روسيا من انشغال الغرب بالأزمة الإيرانية لتوسيع هامش تحركها في أوكرانيا؟
هذا التساؤل لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى مجموعة من المؤشرات الميدانية والسياسية والاقتصادية التي تشير إلى إعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى، في ظل تعدد بؤر التوتر الدولية. فمع انتقال جزء كبير من الاهتمام الأمريكي والأوروبي نحو الشرق الأوسط، تراجعت نسبيًا كثافة الخطاب الغربي حول أوكرانيا، وهو ما ينعكس – بحسب محللين – على إيقاع الدعم العسكري والسياسي لكييف.
وبحسب بيانات تحليلية صادرة عن مواقع متخصصة في تتبع تطورات الحرب، استنادًا إلى تقارير معهد دراسات الحرب، فإن القوات الروسية حققت تقدمًا ميدانيًا محدودًا خلال الفترة الممتدة من أبريل 2025 حتى أبريل 2026، حيث قُدّرت المساحات التي سيطرت عليها بنحو 1897 ميلًا مربعًا، بمعدل شهري يقارب 160 ميلًا مربعًا. ورغم أن هذه الأرقام لا تعكس اختراقًا استراتيجيًا واسعًا، إلا أنها تشير إلى استمرار الضغط العسكري الروسي بوتيرة ثابتة في ظل ظروف دولية متغيرة.
في المقابل، يشهد المسار الدبلوماسي الخاص بالأزمة الأوكرانية حالة جمود واضحة، بعد توقف المحادثات الثلاثية التي جمعت الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا خلال جولات متعددة في أبوظبي وجنيف. هذه المفاوضات، التي كانت تُعد محاولة لإيجاد صيغة تهدئة أو وقف إطلاق نار جزئي، انتهت دون نتائج ملموسة، ما يعكس عمق الفجوة بين الأطراف المعنية.
على الجانب الأوكراني، حذر الرئيس فولوديمير زيلينسكي من أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط، وخاصة بين واشنطن وطهران، قد ينعكس بشكل مباشر على مستوى الدعم الغربي لبلاده. وأشار إلى أن أي إعادة توزيع للموارد العسكرية أو أنظمة الدفاع الجوي لصالح جبهات أخرى قد يضعف قدرة كييف على الصمود أمام الضغوط الروسية المتواصلة.
وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن مسار المفاوضات مع أوكرانيا لا يزال متوقفًا، مرجعًا ذلك إلى انشغال الولايات المتحدة بملفات أخرى ذات أولوية، في إشارة واضحة إلى تطورات الشرق الأوسط. ويعكس هذا التصريح، بحسب مراقبين، قناعة روسية بأن البيئة الدولية الحالية توفر مساحة أكبر للحركة دون ضغوط دبلوماسية مكثفة كما كان في السابق.
من هنا، بدأ يظهر في الخطاب التحليلي الغربي مفهوم “المستفيد الصامت”، في إشارة إلى روسيا، التي قد تكون – وفق هذا الطرح – قادرة على استثمار تشتت الاهتمام الدولي لتحقيق مكاسب تدريجية، سواء على مستوى الأرض أو على مستوى الاقتصاد المرتبط بالحرب.
اقتصاديًا، يلفت خبراء إلى أن أزمة الطاقة العالمية، التي تفاقمت نتيجة اضطرابات في مناطق إنتاج ونقل النفط، بما في ذلك التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، أدت إلى إعادة تشكيل سوق الطاقة العالمي. هذا التحول انعكس جزئيًا على صادرات الطاقة الروسية، حيث تمكنت موسكو من الحفاظ على تدفقات مالية مهمة رغم العقوبات الغربية المشددة.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن عائدات روسيا من النفط والغاز لا تزال تسجل مستويات قوية، قد تصل إلى نحو 150 مليون دولار يوميًا في بعض الفترات، وهو ما يمنح الاقتصاد الروسي قدرة نسبية على تمويل العمليات العسكرية، رغم الضغوط البنيوية التي يواجهها.
لكن هذا الجانب لا يعكس الصورة كاملة، إذ يشير محللون غربيون إلى أن روسيا لا تزال تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، تشمل ارتفاع عجز الميزانية وتزايد الإنفاق العسكري، إلى جانب استمرار العقوبات التي تحد من الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق المالية الغربية. كما أن الحرب الطويلة استنزفت جزءًا من القدرات البشرية والعسكرية، ما يجعل المكاسب الاقتصادية غير كافية وحدها لتغيير مسار الصراع.
على الأرض، تتواصل الحرب في أوكرانيا في إطار ما يشبه “حرب الاستنزاف”، حيث تعتمد روسيا وأوكرانيا على تكتيكات هجومية ودفاعية متقدمة، تشمل استخدام الطائرات المسيّرة بكثافة، إلى جانب المدفعية الثقيلة والحرب الإلكترونية. هذا النمط من القتال رفع من كلفة العمليات العسكرية على الجانبين دون تحقيق اختراق حاسم يغير قواعد اللعبة.
وفي الوقت الذي تحاول فيه كييف الحفاظ على دعمها الغربي من خلال تعزيز تحالفاتها الدفاعية وتوسيع شبكة علاقاتها الدولية، تعمل موسكو على استغلال أي فراغ سياسي أو دبلوماسي لتعزيز مواقعها الميدانية، سواء في الشرق الأوكراني أو على مستوى الضغط الاقتصادي والسياسي على خصومها.
ويرى محللون أن التحولات الجارية في الشرق الأوسط، بما في ذلك الحرب بين إيران والولايات المتحدة وتداعياتها الإقليمية، ساهمت في تشتيت الجهد الغربي، ما خلق نوعًا من “إعادة التوازن غير المقصود” في أولويات السياسة الدولية. هذا الوضع قد يمنح روسيا فرصة للتحرك بهدوء أكبر، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحقيق انتصار حاسم.
وفي المقابل، يحذر خبراء من المبالغة في تقدير قدرة موسكو على استثمار هذا الانشغال الدولي، مؤكدين أن الحرب في أوكرانيا لا تزال محكومة بعوامل معقدة، تشمل الدعم الغربي لكييف، وقدرات المقاومة الأوكرانية، والتوازن العسكري المتغير باستمرار.
وبين هذه القراءات المتباينة، يبقى السؤال مفتوحًا أمام صناع القرار والمحللين: هل تمثل التطورات في الشرق الأوسط بالفعل نافذة استراتيجية لروسيا، أم أنها مجرد لحظة مؤقتة داخل حرب طويلة متعددة الجبهات، يصعب فيها الحديث عن منتصر واضح في المدى القريب؟










