كشف التقرير الأخير للمرصد الاجتماعي التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن أرقام صادمة تعكس حالة من “الانفجار النفسي والاجتماعي” في تونس خلال الربع الأول من عام 2026.
ورسم التقرير الذي يغطي أشهر (يناير، فبراير، ومارس) صورة قاتمة لواقع معقد، حيث امتزجت فيه صرخات الاحتجاج الفردي عبر الانتحار بمظاهر العنف الجماعي المتصاعد نتيجة الإحباط والفقر.
الانتحار.. صرخة احتجاج في وجه “الهشاشة”
وثق المرصد تسجيل 22 حالة ومحاولة انتحار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري.
وتوزعت هذه الحالات لتشمل 15 ذكرا و7 إناث، إلا أن الرقم الأكثر إثارة للقلق هو أن الأطفال شكلوا نحو ربع عدد المقبلين على إنهاء حياتهم، مما يدق ناقوس الخطر حول سلامة الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع التونسي.
وشهد شهر فبراير أعلى معدل بـ 9 حالات، يليه مارس بـ 8 حالات، ثم يناير بـ 5 حالات. وبحسب التقرير، اختار 10 أشخاص إنهاء حياتهم داخل “الفضاء الخاص” (المنازل)، بينما اختار آخرون الفضاءات العامة كالشارع والمؤسسات التربوية والمحاكم كرسالة احتجاجية واضحة.
وأكد المرصد أن 7 من هذه المحاولات كانت بغرض الاحتجاج ورفض الواقع الاقتصادي والاجتماعي المرير، أو نتيجة لحملات التنمر والاعتداء القائم على النوع الاجتماعي.
توسع العنف.. وسيلة دفاع أم سخط شعبي؟
بالتوازي مع الانتحار، رصد التقرير تمددا مخيفا لظاهرة العنف بجميع أشكاله، معتبرا إياه “علامة واضحة لحالة إحباط متزايد”.
وتصدر العنف الجسدي القائمة بنسبة 31.6%، يليه العنف المؤسساتي (21.1%)، ثم المالي (18.4%)، والعنف القائم على النوع الاجتماعي (15.8%). كما أشار المرصد إلى ظهور مظاهر “عنف سياسي وعنف منظم هيكلي للدولة” خلال هذه الفترة.
ويرى الخبراء في المرصد أن هذا المنحى الشمولي للعنف هو نتيجة طبيعية لفشل منظومة العدالة، وحجم الانتهاكات الاقتصادية، فضلا عن خطابات الكراهية الرسمية التي تزيد من حدة التحريض والإفلات من العقاب. وتوزعت بؤر العنف لتشمل مختلف المدن، مع تركز أكبر في ولايات تونس العاصمة، نابل، والقيروان، وهي المناطق التي يتعمق فيها التفاوت الاجتماعي والتهميش.
خارطة الضحايا والجناة
أظهرت البيانات أن الرجال شكلوا الغالبية العظمى من المعتدين بنسبة 94.74%، بينما توزع الضحايا بين 57% من الرجال و17.54% من النساء. ولم تتوقف العدوانية عند الفضاء المادي (السجون، وسائل النقل، العمل)، بل انتقلت بقوة إلى الفضاء الافتراضي الذي تحول إلى ساحة “للسحل والتشهير والإساءة”.
خلص التقرير إلى أن استمرار هذا النزيف الاجتماعي يعود بالأساس إلى غياب الحماية النفسية والاجتماعية، محذرا من أن العنف قد يتحول في سياقات أخرى من “وسيلة دفاع” إلى أداة لمواجهة السلطة التي تخلقه، ما لم يتم تدارك الأوضاع الاقتصادية وتحقيق عدالة اجتماعية ناجزة تخرج التونسيين من نفق اليأس.










