طهران – المنشر الإخباري
في ظل تصاعد التوترات داخل المناطق الكردية في إيران، يعود إلى الواجهة مشروع “البشمركة الإسلامية”، وهو تشكيل أمني محلي يعمل تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني الحرس الثوري الإيراني، ويُنظر إليه باعتباره أحد أهم أدوات طهران لإعادة ضبط النفوذ داخل الشمال الغربي من البلاد.
هذا المشروع لا يُفهم باعتباره قوة عسكرية تقليدية فقط، بل كمنظومة أمنية متعددة الأدوار، تجمع بين التجنيد المحلي، والمراقبة الاستخباراتية، والعمل الميداني، في بيئة جغرافية وسياسية معقدة.
خلفية التشكيل وبداياته
تعود جذور “البشمركة الإسلامية” إلى السنوات الأولى بعد الثورة الإيرانية عام 1979، عندما بدأ الحرس الثوري في إنشاء وحدات محلية في المناطق الكردية، خاصة في كرمانشاه، بهدف مواجهة الأحزاب الكردية المعارضة التي كانت تنشط في تلك الفترة.
اعتمدت طهران في هذه المرحلة على استقطاب عناصر كردية موالية أو منشقة عن تلك الأحزاب، لتشكيل قوة محلية تعمل داخل المجتمع الكردي نفسه، بدلًا من الاعتماد الكامل على القوات القادمة من خارج المنطقة.
ومع مرور الوقت، تطورت هذه التشكيلات لتصبح جزءًا ثابتًا من البنية الأمنية الإيرانية في المناطق الحدودية، مع توسع في مهامها من العمل العسكري إلى الأدوار الاستخباراتية والاجتماعية.
إعادة تنشيط المشروع في السنوات الأخيرة
خلال الفترة الأخيرة، ومع تصاعد التوترات الإقليمية والضغوط الداخلية، أعاد الحرس الثوري تفعيل هذا النموذج بشكل أكثر تنظيمًا.
وقد شملت هذه العودة توسيع عمليات التجنيد داخل القرى والمدن الكردية، مستفيدًا من الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة، وهو ما دفع بعض الشباب للانضمام لهذه التشكيلات مقابل رواتب أو امتيازات محدودة.
وتشير شهادات محلية إلى حالات انقطاع التواصل بين بعض المجندين وعائلاتهم، ما أثار تساؤلات حول طبيعة مهامهم ومواقع انتشارهم، خاصة بعد الضربات العسكرية التي استهدفت مواقع للحرس الثوري في المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
الهيكل التنظيمي داخل الحرس الثوري
تعمل هذه القوات ضمن هيكل إداري وعسكري تابع للحرس الثوري، حيث يتم توزيعها على عدة قيادات ميدانية في غرب وشمال غرب إيران.
من أبرز هذه القيادات:
قيادة حمزة سيد الشهداء في أورمية
قيادة بيت المقدس في سنندج
قيادة النبي الأكرم في كرمانشاه
وتتولى هذه القيادات إدارة العمليات الأمنية والعسكرية، إلى جانب التنسيق مع الوحدات المنتشرة على الحدود مع العراق، في إطار منظومة أمنية مترابطة.
أدوار متعددة بين الأمن والاستخبارات
تتوزع مهام “البشمركة الإسلامية” على ثلاثة مستويات رئيسية.
المستوى الأول يتمثل في العمليات القتالية المباشرة داخل المناطق الحدودية أو ذات الحساسية الأمنية، حيث تُستخدم كقوة دعم ميداني للحرس الثوري.
المستوى الثاني يتعلق بالداخل الإيراني، حيث يتم دمجها ضمن قوات الباسيج قوات الباسيج، للمشاركة في ضبط الاحتجاجات والحركات الاجتماعية.
أما المستوى الثالث فهو استخباراتي بامتياز، ويشمل جمع المعلومات عن الأحزاب الكردية المعارضة، ومراقبة تحركاتها داخل إيران وخارجها، إضافة إلى تنفيذ عمليات تتبع عبر الحدود.
الامتداد خارج الحدود الإيرانية
تشير تقارير ميدانية إلى أن بعض عناصر هذه القوات شاركوا في عمليات استهداف مواقع تابعة لأحزاب كردية إيرانية داخل إقليم كردستان العراق.
وقد شملت هذه العمليات هجمات صاروخية واستخدام طائرات مسيرة، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليص نفوذ المعارضة الكردية خارج الحدود ومنعها من تشكيل تهديد داخلي.
هذا الامتداد يعكس طبيعة الصراع الكردي الإيراني، الذي لم يعد محصورًا داخل الجغرافيا الإيرانية، بل أصبح جزءًا من توازنات إقليمية أوسع.
دوافع التجنيد بين الاقتصاد والسياسة
يرى مراقبون أن العامل الاقتصادي يلعب دورًا مهمًا في عمليات التجنيد، خاصة في المناطق الكردية التي تعاني من تراجع اقتصادي واضح.
في هذا السياق، يصبح الانضمام لهذه التشكيلات خيارًا لبعض الشباب الباحثين عن دخل ثابت، رغم ما يحمله ذلك من أبعاد سياسية وأمنية معقدة.
في المقابل، تستخدم الدولة هذه السياسة كأداة لبناء شبكات ولاء محلية داخل المجتمع الكردي، بما يعزز قدرتها على إدارة المنطقة دون تصعيد مباشر دائم.
موقف المعارضة الكردية
الأحزاب الكردية المعارضة ترى أن هذه التشكيلات لا تمثل المجتمع الكردي، بل هي أدوات أمنية تستخدمها الدولة.
وتؤكد هذه الأحزاب أن حجم الانضمام محدود، وأن معظم العناصر إما من الموالين تاريخيًا للنظام أو مدفوعون بالظروف الاقتصادية.
كما تنفي وجود دعم شعبي واسع لهذه القوات، وتعتبرها جزءًا من استراتيجية أمنية تهدف إلى اختراق المجتمع الكردي من الداخل.
الرواية الرسمية الإيرانية
في المقابل، تقدم طهران هذه القوات باعتبارها جزءًا من منظومة الدفاع الوطني، وتؤكد أنها تعكس وجود دعم محلي للنظام في المناطق الحدودية.
وتبرز وسائل الإعلام الإيرانية بشكل متكرر صورًا لعناصر هذه التشكيلات وهم يعلنون الولاء للدولة واستعدادهم للدفاع عنها.
لكن هذا الخطاب يصطدم بروايات المعارضة التي تعتبره غير دقيق ويهدف إلى إظهار قوة غير موجودة فعليًا على الأرض.
يمكن النظر إلى مشروع “البشمركة الإسلامية” باعتباره أحد أدوات إدارة الصراع الداخلي في إيران، حيث يتم المزج بين الأمن المحلي والتجنيد الاجتماعي والسيطرة السياسية.
وفي ظل استمرار التوترات الداخلية والإقليمية، يبدو أن هذا النموذج سيظل جزءًا من الاستراتيجية الأمنية الإيرانية، سواء كأداة للضبط أو كوسيلة لإعادة تشكيل النفوذ داخل المناطق الحساسة.
لكن في الوقت ذاته، يبقى هذا النموذج محل جدل واسع، نظرًا لارتباطه المباشر بقضايا الهوية والولاء والسيطرة داخل مجتمع متعدد ومعقد مثل المجتمع الكردي في إيران.










