لندن – المنشر الإخبارى
في مشهد يعكس هشاشة المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، تتراجع فرص التهدئة بشكل متسارع، بعد فشل جولة المحادثات الأخيرة التي انعقدت بوساطة إقليمية، ما أعاد المنطقة إلى دائرة التوتر الحاد، وفتح الباب أمام اضطرابات ممتدة في أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية.
فشل المفاوضات يعيد التصعيد إلى الواجهة
كشفت التطورات الأخيرة عن انسداد واضح في مسار التفاوض، بعدما انتهت جولة المحادثات التي جرت خلال عطلة نهاية الأسبوع دون تحقيق أي اختراق يُذكر. ورغم التحركات التي قادتها أطراف إقليمية، وعلى رأسها باكستان وسلطنة عُمان، فإن الهوة بين طهران وواشنطن لا تزال واسعة، خاصة في ما يتعلق بملف العقوبات والممرات البحرية والبرنامج النووي الإيراني.
في المقابل، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خطابه، مؤكداً أن بلاده “لن تضيع الوقت في مفاوضات غير مجدية”، ومشدداً على امتلاك واشنطن ما وصفه بـ”الأوراق الأقوى” في هذا الملف. كما ألغى زيارة مبعوثين أميركيين إلى باكستان كانت مقررة ضمن جهود الوساطة، في إشارة إضافية إلى تعثر المسار الدبلوماسي.
طهران تتمسك بشروطها وتربط أي تسوية برفع الضغوط
من جانبها، تؤكد طهران أنها لن تدخل في أي مفاوضات تحت الضغط أو التهديد، معتبرة أن الإجراءات الأميركية الأخيرة، بما في ذلك الحصار البحري والضغوط الاقتصادية، تقوّض أي إمكانية لبناء الثقة.
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان شدد على أن بلاده ترفض ما وصفه بـ”المفاوضات المفروضة”، في وقت تصر فيه القيادة الإيرانية على أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تقوم على قاعدة رفع العقوبات وضمان الحقوق السيادية، خصوصاً في ما يتعلق بالبرنامج النووي وحركة الملاحة.
مضيق هرمز… بؤرة الأزمة الأكثر اشتعالاً
يبقى مضيق هرمز في قلب المشهد المتأزم، حيث انعكست التطورات العسكرية والسياسية على حركة الملاحة بشكل مباشر. وتشير بيانات ملاحية إلى تراجع كبير في عدد السفن العابرة مقارنة بالفترة السابقة، وسط مخاوف متزايدة من استمرار الاضطراب في هذا الشريان الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية.
وتتهم واشنطن طهران بتقييد حركة الملاحة في المضيق، فيما تؤكد إيران أن إجراءاتها تأتي في إطار “الدفاع عن السيادة ومواجهة ما تعتبره عدواناً عسكرياً واقتصادياً”.
ارتفاع أسعار النفط واضطراب الأسواق العالمية
على المستوى الاقتصادي، انعكست الأزمة مباشرة على الأسواق، حيث سجلت أسعار النفط ارتفاعاً حاداً تجاوز 50% منذ بدء التصعيد، ما زاد من الضغوط على الاقتصادات المستهلكة للطاقة، خصوصاً في أوروبا وآسيا.
كما بدأت مؤشرات سلاسل الإمداد العالمية تُظهر علامات اضطراب، مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة.
الملف النووي يزيد المشهد تعقيداً
في موازاة ذلك، عاد الملف النووي الإيراني إلى الواجهة كأحد أبرز نقاط الخلاف. فبينما تتمسك واشنطن بمطالب تقليص أو تجميد الأنشطة النووية لفترات طويلة، تؤكد طهران أن برنامجها سلمي ومرتبط بحقوقها السيادية.
وتشير تسريبات برلمانية في إيران إلى امتلاك مخزون معتبر من اليورانيوم المخصب، وهو ما تعتبره واشنطن مصدر قلق رئيسي، في حين تراه طهران ورقة قوة تفاوضية لا يمكن التنازل عنها دون مقابل سياسي واقتصادي واضح.
واشنطن بين التصعيد الداخلي والخارجي
داخل الولايات المتحدة، يواجه البيت الأبيض ضغوطاً متزايدة مع اقتراب استحقاقات سياسية داخلية، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات حول إدارة الأزمة الإيرانية وتأثيرها على أسعار الطاقة وحركة الاقتصاد العالمي.
كما تتزايد التحذيرات من انقسام داخل مؤسسات صنع القرار الأميركية بشأن جدوى التصعيد العسكري أو العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة.
مشهد مفتوح على احتمالات أكثر تعقيداً
في ظل هذا المشهد المتشابك، تبدو الأزمة أبعد ما تكون عن الحل، بينما تتحول الممرات البحرية وأسواق الطاقة إلى ساحات ضغط متبادل بين الأطراف المتنازعة.
ومع استمرار غياب أي اختراق دبلوماسي حقيقي، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية تدريجية، أم إلى مرحلة أطول من التصعيد الاقتصادي والسياسي والعسكري غير المباشر، قد تكون كلفتها أعلى بكثير على الجميع.









