منشآت تحت الجبال تعيد رسم معادلة الردع رغم القصف المكثف على مدار 40 يوماً
طهران -،المنشر_الاخباري
في الوقت الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل تحقيق “إنجازات عسكرية مهمة” في استهداف البنية الصاروخية الإيرانية، تكشف معطيات ميدانية وتحليلات استخباراتية أن النتائج الفعلية على الأرض لا ترقى إلى مستوى الأهداف المعلنة، وأن القدرات الصاروخية الإيرانية ما زالت تعمل بكفاءة جزئية رغم الضربات المكثفة التي استمرت لأسابيع.
وبحسب تقرير تحليلي موسع نشرته “فايننشال تايمز”، فإن ما يُعرف بـ”المدن الصاروخية” الإيرانية المحصنة داخل الجبال لم تُدمَّر، بل تعرضت لأضرار محدودة في بعض المداخل والمرافق السطحية، بينما بقيت البنية الأساسية التشغيلية قادرة على الاستمرار، ما جعل الحرب الجوية تبدو بلا نتائج حاسمة حتى الآن.
هذه المنشآت، التي تقع في مناطق جبلية مثل محيط مدينة يزد وسط إيران، تمثل جزءاً محورياً من استراتيجية الردع الإيرانية، إذ تعتمد على عمق جغرافي وهندسي كبير يجعل استهدافها الكامل أمراً شديد التعقيد حتى مع استخدام ذخائر متطورة.
40 يوماً من القصف.. والنتيجة أقل من المتوقع
تشير المعطيات إلى أن الطائرات الأميركية والإسرائيلية شنت حملة جوية مكثفة استمرت نحو 40 يوماً، استهدفت خلالها مواقع يشتبه بأنها مراكز إطلاق أو تخزين صواريخ بعيدة المدى، إضافة إلى أنفاق ومنشآت دعم لوجستي.
ورغم شدة هذه العمليات، فإن التقييمات الأولية تشير إلى أن الهدف الأساسي، وهو “شل القدرة الصاروخية الإيرانية”، لم يتحقق. بل على العكس، أظهرت بعض المؤشرات أن عمليات الإطلاق استمرت خلال فترات القصف، بل وتم استئنافها في بعض المواقع بعد ساعات فقط من تعرضها للهجوم.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن بعض المناطق، خاصة في كرمانشاه ويزد، شهدت إطلاق صواريخ حتى في المراحل الأخيرة من التصعيد، ما أثار تساؤلات حول مدى فعالية الضربات الجوية في تعطيل هذه المنظومة المعقدة.
منشآت تحت الأرض.. هندسة الردع الإيراني
تعتمد إيران منذ سنوات على تطوير ما يُعرف بالمنشآت الصاروخية المحصنة داخل الجبال، وهي شبكة واسعة من الأنفاق والمخازن وقواعد الإطلاق المخفية تحت سطح الأرض.
هذه المنشآت ليست مجرد قواعد عسكرية تقليدية، بل منظومات هندسية معقدة تمتد لمئات الأمتار داخل الجبال، وتضم مسارات متعددة للإمداد والإطلاق، ما يجعل استهدافها الكامل يتطلب عمليات دقيقة ومتكررة على مدى طويل.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن هذا النوع من التحصين يجعل حتى الضربات الدقيقة أقل فاعلية، لأن الأضرار غالباً ما تقتصر على المداخل أو المرافق السطحية، بينما تبقى البنية الداخلية سليمة أو قابلة للإصلاح السريع.
70% من القدرات ما زالت قائمة
بحسب تقديرات استخباراتية أميركية نقلتها وسائل إعلام غربية، فإن إيران لا تزال تحتفظ بنحو 70% من منصات الإطلاق المتحركة، إضافة إلى جزء كبير من مخزونها الصاروخي.
هذه النسبة، حتى لو كانت تقديرية، تعني أن القدرة الصاروخية الإيرانية لم تتعرض لانهيار استراتيجي، بل إلى تقليص جزئي يمكن تعويضه عبر إعادة الانتشار أو الإصلاح السريع.
وفي المقابل، تؤكد مصادر غربية أن الضربات نجحت في إضعاف بعض المرافق، لكنها لم تصل إلى مرحلة تعطيل شبكة القيادة والسيطرة أو وقف عمليات الإطلاق بشكل كامل.
بين الإعلان السياسي والواقع الميداني
الهوة بين الخطاب السياسي والنتائج الميدانية تبدو واضحة في هذا السياق. فبينما تحدثت واشنطن وتل أبيب عن “إضعاف كبير” للقدرات الإيرانية، تشير الوقائع إلى استمرار القدرة التشغيلية ولو بوتيرة أقل.
ويرى محللون أن هذا التباين ليس جديداً في الحروب الجوية الحديثة، حيث غالباً ما يكون تقييم الأضرار أكثر تعقيداً من مجرد قياس عدد المواقع المستهدفة، خاصة عندما يتعلق الأمر ببنى تحتية تحت الأرض.
كما يشير خبراء إلى أن إيران استفادت من هذا النمط من الحروب عبر تطوير مفهوم “الاستمرارية تحت القصف”، أي الحفاظ على القدرة على العمل حتى في حال تعرض المواقع لضربات متكررة.
سلاح الوقت.. العامل الحاسم في هذه الحرب
أحد أبرز عناصر التحليل في هذه المواجهة هو عامل الزمن. فبينما يمكن للضربات الجوية أن تحدث أضراراً فورية، فإن تقييم أثرها الاستراتيجي يحتاج إلى وقت أطول لمعرفة ما إذا كانت قد عطلت فعلياً قدرة الإطلاق أو الإنتاج.
وتشير مراكز أبحاث عسكرية إلى أن إيران تعتمد على نظام توزيع مرن للمنشآت، ما يسمح بنقل العمليات بين مواقع متعددة بسرعة، وبالتالي تقليل أثر أي ضربة مركزة.
هذا يعني أن الحرب لا تُحسم بضربة واحدة أو سلسلة ضربات قصيرة، بل تحتاج إلى عمليات طويلة الأمد، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة أي طرف على الاستمرار في هذا النمط من التصعيد.
الردع المتبادل بدل الحسم العسكري
ما تكشفه هذه التطورات هو أن الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد يقوم على فكرة “الحسم العسكري السريع”، بل على مفهوم الردع المتبادل.
فكل طرف يسعى إلى إظهار القدرة على إلحاق الضرر، دون الوصول إلى نقطة انهيار شاملة لدى الطرف الآخر، وهو ما يجعل الحرب أقرب إلى إدارة صراع طويل الأمد بدلاً من مواجهة نهائية.
إيران بين الصمود وإعادة التمركز
من وجهة النظر الإيرانية، تمثل هذه الحرب اختباراً لمفهوم الردع الذي تبنته طهران منذ سنوات، والقائم على فكرة أن امتلاك القدرة على الرد حتى تحت القصف هو عنصر أساسي في منع أي هجوم شامل.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن القيادة الإيرانية تعتبر استمرار إطلاق الصواريخ خلال الحرب دليلاً على نجاح استراتيجية “التحصين والانتشار”، حتى لو تعرضت بعض المواقع لأضرار.
تل أبيب وواشنطن.. إعادة تقييم الأهداف
في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تواجهان تحدياً في إعادة تقييم فعالية الضربات الجوية، خصوصاً في ظل صعوبة تحقيق أهداف استراتيجية كاملة ضد بنية عسكرية تحت الأرض.
وتشير تحليلات أمنية إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولاً في التكتيك، من استهداف المواقع إلى التركيز على شبكات الإمداد أو مراكز القيادة، في محاولة لزيادة تأثير الضربات.
حرب مفتوحة بلا نهاية واضحة
في المحصلة، تبدو المواجهة الحالية أقرب إلى “حرب مفتوحة بلا نتائج حاسمة”، حيث لا يستطيع أي طرف إعلان تحقيق هدفه النهائي.
فإيران لم تُحرم من قدرتها الصاروخية، والولايات المتحدة وإسرائيل لم تنجحا في إنهاء التهديد الصاروخي، ما يعني أن ميزان الردع ما زال قائماً ولكن دون حسم.
وبين الجبال المحصنة والصواريخ المتحركة، تستمر معادلة “الصمود مقابل الاستهداف”، في واحدة من أكثر مواجهات الشرق الأوسط تعقيداً في السنوات الأخيرة.
إذا تريد، أقدر أعمل لك:










