جماعة مسلحة ترصد مليوني دولار للقبض على رئيس المجلس العسكري آسيمي غويتا وسط انهيار متسارع في معادلات الأمن بالساحل الأفريقي
لندن – المنشر_الاخباري
تشهد دولة مالي واحدة من أخطر مراحلها الأمنية والسياسية منذ أكثر من عقد، مع تصاعد غير مسبوق في المواجهة بين المجلس العسكري الحاكم بقيادة الجنرال Assimi Goita (آسيمي غويتا – رئيس مالي والقائد العسكري) وبين جماعات مسلحة تنشط في الشمال والوسط، في تطور يعكس انتقال الصراع من المواجهات التقليدية إلى ما يمكن وصفه بـ”حرب المكافآت” المفتوحة.
فقد أعلنت جماعة مسلحة تنشط في شمال البلاد رصد مكافأة مالية تصل إلى مليوني يورو (نحو 2.15 مليون دولار) مقابل معلومات تؤدي إلى القبض على رئيس المجلس العسكري، في خطوة غير مسبوقة تعكس مستوى التصعيد السياسي والأمني في البلاد، وتكشف في الوقت نفسه عن تحول جذري في أدوات الصراع داخل الدولة.
هذا الإعلان لم يأتِ في فراغ، بل جاء في سياق تصعيد متبادل بين الحكومة والجماعات المسلحة، حيث سبق للسلطات المالية أن أعلنت بدورها مكافآت مالية للقبض على قادة بارزين في الجماعات المسلحة، من بينهم قيادات في الحركات الناشطة في الشمال، وعلى رأسهم إياد آغ غالي، أحد أبرز القادة المرتبطين بالصراع المسلح في منطقة الساحل.
لكن الجديد في هذه المرحلة هو أن الجماعات المسلحة ردّت بالمثل، ليس فقط عبر العمليات العسكرية، بل عبر استخدام نفس أدوات الدولة: المكافآت، والملاحقة، وإعادة تعريف من هو “المطلوب” ومن هو “الهدف”.
من انقلابين عسكريين إلى دولة في قلب العاصفة
تعود جذور الوضع الحالي إلى عامي 2020 و2021، حين شهدت مالي انقلابين عسكريين متتاليين أوصلا الجنرال Assimi Goita إلى السلطة.
وقد جاء الانقلابان في سياق أزمة سياسية حادة، وتدهور أمني متسارع، وفشل الحكومات المتعاقبة في احتواء تمدد الجماعات المسلحة في الشمال والوسط.
وعقب وصول المجلس العسكري إلى الحكم، تعهدت القيادة الجديدة بإعادة الاستقرار، وبناء جيش قوي قادر على استعادة السيطرة على كامل الأراضي، إلا أن الواقع الميداني أظهر مساراً مختلفاً تماماً، حيث توسعت رقعة العنف بدل أن تتقلص.
اليوم، وبعد سنوات من الحكم العسكري، تبدو الدولة المالية في مواجهة تحدٍ وجودي، حيث تتآكل قدرتها على السيطرة على مناطق واسعة من البلاد، خصوصاً في الشمال والصحراء الكبرى.
شمال مالي.. جغرافيا الفوضى المفتوحة
يمثل شمال مالي اليوم بؤرة الصراع الأكثر تعقيداً في البلاد، حيث تمتزج فيه عوامل متعددة: التمردات الانفصالية، النشاط الجهادي، الصراعات القبلية، وضعف البنية الأمنية للدولة.
مدن مثل كيدال وغاو أصبحت رموزاً لهذا التوتر المستمر، إذ تشهد بين الحين والآخر عمليات عسكرية وهجمات متبادلة بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة.
وتعد “الجبهة الوطنية لتحرير أزواد” من أبرز الفاعلين في هذا المشهد، وهي حركة مسلحة ذات طابع انفصالي تسعى إلى فرض واقع سياسي جديد في شمال البلاد.
وقد استفادت هذه الجماعات من الطبيعة الجغرافية الصعبة للمنطقة، حيث تمتد الصحراء الشاسعة، ما يجعل من الصعب على الجيش فرض سيطرة دائمة أو تتبع تحركات المقاتلين بشكل فعال.
توسع العمليات نحو العمق المالي
في السنوات الأخيرة، لم تعد العمليات المسلحة مقتصرة على الشمال، بل بدأت تمتد تدريجياً نحو وسط البلاد وحتى محيط العاصمة باماكو.
فقد شهدت مناطق مثل كاتي، ومحيط مطار موديبو كيتا الدولي في العاصمة، هجمات متكررة، ما يعكس تحولاً استراتيجياً في طبيعة العمليات المسلحة.
كما شملت الهجمات مدناً مثل موبتي وسيفاري، في مؤشر واضح على أن الجماعات المسلحة باتت تمتلك قدرة على الحركة والانتشار في عمق الدولة.
هذا التوسع الجغرافي في العمليات يمثل تحدياً مباشراً لسلطة الدولة، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة الجيش على حماية العاصمة نفسها في حال استمرار التصعيد.
هجمات غير مسبوقة منذ 15 عاماً
تشير تقارير ميدانية إلى أن الهجمات الأخيرة تعد من الأعنف والأوسع نطاقاً منذ قرابة 15 عاماً، سواء من حيث عدد العمليات أو تنوعها أو امتدادها الجغرافي.
فقد استهدفت الجماعات المسلحة قواعد عسكرية، ومقار حكومية، ونقاط تفتيش، إضافة إلى تحركات في مناطق مدنية، ما أدى إلى حالة من الذعر وعدم الاستقرار في عدة مناطق.
كما أن استخدام تكتيكات هجومية متقدمة، مثل الهجمات المتزامنة على أكثر من محور، يعكس تطوراً في قدرات هذه الجماعات، سواء من حيث التخطيط أو التنسيق أو التمويل.
تحالفات ميدانية غير متوقعة
من أبرز التطورات في المشهد المالي ظهور تقاطع غير تقليدي بين جماعات كانت في السابق متعارضة، حيث بدأت تظهر مؤشرات على تنسيق ميداني بين جماعات جهادية مسلحة وبين حركات انفصالية تنشط في الشمال.
هذا التقاطع لا يعني بالضرورة تحالفاً أيديولوجياً، لكنه يعكس ما يمكن وصفه بـ”تحالف الضرورة”، حيث تتقاطع المصالح العسكرية المؤقتة في مواجهة الجيش المالي.
هذا النوع من التحالفات يزيد من تعقيد المشهد الأمني، لأنه يجعل ساحة الصراع أكثر تشظياً، ويصعب على الدولة التعامل معه ككتلة واحدة.
مقتل مسؤولين كبار وتدهور الأمن الداخلي
زاد الوضع تعقيداً بعد سلسلة هجمات دامية خلال الأشهر الماضية، من بينها هجمات أسفرت عن مقتل مسؤولين حكوميين كبار، ما كشف عن ثغرات أمنية خطيرة داخل الدولة.
هذه التطورات عززت من شعور الجماعات المسلحة بأنها قادرة على استهداف مراكز القوة في الدولة، وليس فقط المواقع الطرفية في الشمال.
كما ساهمت هذه الهجمات في إضعاف الثقة بين السكان المحليين والدولة، خاصة في المناطق التي تعاني من غياب الخدمات الأساسية.
الساحل الأفريقي.. منطقة تتفكك أمنياً
لا يمكن فهم الأزمة في مالي بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع في منطقة الساحل الأفريقي، التي تشمل أيضاً النيجر وبوركينا فاسو وتشاد.
هذه المنطقة أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً، مع تزايد الانقلابات العسكرية، وتراجع النفوذ الدولي، وتوسع نشاط الجماعات المسلحة.
ويحذر خبراء من أن انهيار الاستقرار في مالي قد يؤدي إلى تداعيات إقليمية خطيرة، تشمل توسع شبكات التهريب، وزيادة الهجرة غير النظامية، وامتداد العنف إلى دول الجوار.
الإعلام والحرب النفسية
في هذا السياق، أصبحت البيانات الإعلامية جزءاً أساسياً من الصراع، حيث تستخدم الجماعات المسلحة والحكومة على حد سواء أدوات إعلامية للتأثير على الرأي العام.
إعلان المكافآت المتبادلة لا يمكن فصله عن هذا السياق، إذ يمثل نوعاً من الحرب النفسية، يهدف إلى زعزعة الثقة داخل صفوف الخصم، وتحفيز الانشقاقات أو تقديم المعلومات.
اقتصاد الحرب في مالي
يعتمد جزء كبير من الصراع في مالي على اقتصاد غير رسمي مرتبط بالتهريب، والاتجار غير المشروع، وفرض الإتاوات في بعض المناطق.
هذا الاقتصاد الموازي يوفر للجماعات المسلحة مصادر تمويل مستمرة، ويمنحها القدرة على الاستمرار في العمليات العسكرية رغم الضغط الحكومي.
إلى أين تتجه مالي؟
المشهد الحالي يشير إلى أن مالي تدخل مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد فيها الدولة تواجه جماعات محدودة، بل شبكة معقدة من الفاعلين المسلحين المتداخلين.
ومع استمرار التصعيد، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة: من استمرار الاستنزاف العسكري، إلى احتمال توسع رقعة الحرب داخل البلاد، أو حتى انزلاقها إلى صراع إقليمي أوسع في منطقة الساحل.
لكن المؤكد أن “حرب المكافآت” تمثل تحولاً خطيراً في طبيعة الصراع، حيث لم تعد الحرب فقط على الأرض، بل أيضاً على المعلومات، والشرعية، والقدرة على التأثير.










