تصعيد ميداني وتطورات تقنية تغيّر قواعد الاشتباك وتربك الحسابات العسكرية الإسرائيلية
طهران – المنشر الإخبارى
تشهد الجبهة الجنوبية في لبنان تحولًا ميدانيًا لافتًا، مع عودة حزب الله إلى تنفيذ عمليات عسكرية مكثفة ضد المواقع الإسرائيلية، في تطور اعتبره مراقبون إعادة تشكيل فعلية لمعادلة الردع في المنطقة، بعد أكثر من عام من ما وصفه الحزب بـ”الصبر الاستراتيجي”.
وبحسب مصدر أمني مطّلع على مسار العمليات داخل المقاومة اللبنانية، تحدث إلى موقع “برس تي في”، فإن الأداء العسكري للحزب منذ بداية مارس كشف عن ثغرات واضحة في المنظومة الدفاعية الإسرائيلية، إلى جانب ما وصفه بـ”سوء تقدير متكرر” لطبيعة المقاومة وقدرتها على إعادة التموضع بسرعة والتكيف مع ظروف القتال المتغيرة.
ويشير المصدر إلى أن المقاومة اللبنانية لم تدخل مرحلة الهدوء السابقة بوصفها انسحابًا أو تراجعًا، بل باعتبارها فترة لإعادة البناء وإعادة تقييم أساليب القتال وتطوير الأدوات العسكرية، وهو ما انعكس بشكل واضح في العمليات الأخيرة.
تصعيد ميداني وإرباك إسرائيلي
وبحسب المصدر، فإن حزب الله بات يعتمد في عملياته الحالية على مزيج من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، في تكتيك متدرج يهدف إلى إنهاك الدفاعات الإسرائيلية واستنزافها، موضحًا أن العديد من هذه الضربات “تنجح في تجاوز أنظمة الاعتراض وتصل إلى أهدافها داخل العمق الإسرائيلي”.
ويضيف أن طبيعة العمليات الأخيرة تشير إلى انتقال المقاومة إلى مرحلة أكثر دقة في اختيار الأهداف، مع التركيز على إحداث تأثير مزدوج: عسكري ونفسي، داخل الجبهة الإسرائيلية.
الطائرات المسيّرة تغيّر قواعد المعركة
ويبرز الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة كأحد أهم التحولات في المشهد العسكري، خصوصًا النماذج المزودة بتقنيات الألياف البصرية، والتي ترتبط مباشرة بالمشغلين على الأرض، ما يجعلها أقل عرضة للتشويش الإلكتروني وأكثر دقة في إصابة الأهداف.
ويوضح المصدر أن هذه التكنولوجيا تمنح المقاومة قدرة على تنفيذ عمليات مراقبة واستهداف في الوقت الحقيقي، حتى داخل بيئات حرب إلكترونية شديدة التعقيد، الأمر الذي “غيّر بشكل فعلي قواعد الاشتباك في الميدان”.
كما يشير إلى أن هذا التطور يجعل المنظومة الدفاعية الإسرائيلية أمام تحديات غير تقليدية، خاصة مع صعوبة اكتشاف بعض هذه الطائرات أو تعطيلها أثناء تنفيذ المهام.
إعادة بناء القوة بعد الحرب
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن حزب الله خاض خلال الأشهر الماضية عملية إعادة تنظيم شاملة، شملت إعادة هيكلة بعض الوحدات، وتطوير أساليب التدريب، وإدخال تقنيات حديثة في مجالات الاتصالات والقيادة والسيطرة.
وفي هذا السياق، يؤكد المصدر أن التقديرات التي تحدثت عن تراجع كبير في قدرات الحزب “ثبت عدم دقتها”، مشيرًا إلى أن المقاومة استثمرت فترة التهدئة في إعادة بناء قدراتها بدلًا من التراجع.
وفي تصريحات سابقة، أكد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم أن المقاومة “استعادت عافيتها العملياتية”، وأنها في مرحلة متقدمة من إعادة البناء والتطوير، مع جاهزية كاملة للدفاع عن لبنان.
من مرحلة التهدئة إلى إعادة التموضع
وتوضح شهادات لمقاتلين في صفوف المقاومة أن الفترة التي أعقبت تصعيد عام 2024 لم تكن مرحلة انهيار أو انسحاب، بل فترة إعادة تموضع شاملة.
أحد المقاتلين القدامى، الذي تعرض لإصابة خلال عمليات سابقة، قال إن المقاومة تعاملت مع التهدئة باعتبارها “فرصة لإعادة البناء وليس نهاية للمواجهة”، مشيرًا إلى أن العديد من التقارير التي تحدثت عن انهيار قدرات الحزب “لم تكن دقيقة”.
ويضيف أن التطوير شمل الجوانب التكتيكية والعملياتية، إضافة إلى تعزيز استخدام التقنيات الحديثة في الميدان.
إسرائيل بين الاستنزاف وسوء التقدير
في المقابل، تشير تقارير إسرائيلية إلى تصاعد حالة الاستنزاف في الجبهة الشمالية، مع تزايد الضغوط على الجيش الإسرائيلي، سواء من حيث القدرة على تنفيذ عمليات فعالة أو من حيث التعامل مع طبيعة التهديدات الجديدة.
وتتحدث تلك التقارير عن صعوبات متزايدة في تحقيق أهداف العمليات العسكرية، وسط غياب رؤية واضحة لنهاية المواجهة أو استراتيجية خروج متماسكة.
كما تشير إلى تزايد القلق داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من استمرار حالة الاستنزاف الطويل، وما قد يترتب عليها من تداعيات ميدانية وسياسية.
معادلة ردع جديدة
وبحسب المصدر الأمني، فإن التطورات الحالية لا تعكس مجرد تصعيد عسكري، بل تشير إلى “إعادة صياغة لمعادلة الردع بين الطرفين”، حيث لم تعد المواجهة محصورة في نمط تقليدي، بل باتت تعتمد على تقنيات حديثة وتكتيكات متغيرة باستمرار.
ويؤكد أن المقاومة “لم تكشف بعد عن كامل قدراتها”، ما يعني أن ما يظهر في الميدان قد لا يعكس الصورة النهائية للقدرات الفعلية.
مرحلة مفتوحة على كل الاحتمالات
ويخلص المصدر إلى أن المشهد في جنوب لبنان لا يزال مفتوحًا على عدة سيناريوهات، في ظل استمرار حالة التوتر والتصعيد المتبادل، وعدم وجود مؤشرات واضحة على تهدئة دائمة في المدى القريب.
ويضيف أن “المعادلة الحالية تقوم على اختبار القوة والإرادة”، في إشارة إلى أن المرحلة المقبلة قد تحمل مزيدًا من التحولات غير المتوقعة في ميزان الصراع.










