جنوب كردفان – الأربعاء، 29 أبريل 2026، برزت منطقة جبال النوبة في ولاية جنوب كردفان كواحدة من أكثر الجبهات دموية وتعقيدا في الحرب الأهلية السودانية المستعرة، حيث تحولت التلال الوعرة التي كانت بعيدة عن خطوط المواجهة الأولى إلى ساحة صراع استراتيجي وتصفية حسابات دولية ومحلية.
تصعيد جوي واستهداف للمدنيين
أعلنت الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال (SPLM-N) أن غارة جوية نفذتها القوات المسلحة السودانية في 27 مارس الماضي، استهدفت جنازة في جبال النوبة، مما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة العشرات.
هذا الهجوم يعكس التحول الدراماتيكي في المنطقة التي ظلت هادئة نسبيا عند اندلاع الحرب في أبريل 2023، قبل أن يتغير الوضع جذريا منذ عام 2025.
وجاء هذا التحول بعد قرار الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، التي تسيطر على معظم ولاية جنوب كردفان، الانضمام إلى صفوف قوات الدعم السريع بقيادة الفريق محمد حمدان “حميدتي” ضد الجيش السوداني.
الجبال كقاعدة انطلاق استراتيجية
تستغل قوات الدعم السريع الطبيعة الجغرافية القاسية لجبال النوبة كقاعدة خلفية حصينة لشن هجمات تهدف إلى استعادة السيطرة على العاصمة الخرطوم.
ورغم احتفاظ الجيش السوداني ببعض الجيوب الحضرية في الجبال، إلا أن السيطرة الميدانية للحركة الشعبية والدعم السريع جعلت من المستشفيات والأسواق أهدافا عسكرية محتملة، مما فاقم المأساة الإنسانية.
ومع ذلك، يرى محللون، ومنهم جلال غيتاشيو بيرو من مشروع (ACLED)، أن هذا التحالف يواجه تصدعات داخلية؛ فخسارة مدينة “كادوقلي” في فبراير الماضي أدت إلى تبادل اتهامات حاد بين الحليفين، مما يثير شكوكا حول استدامة هذا التعاون العسكري.
مأساة إنسانية عابرة للحدود
تروي “عفراء النيل حامد”، وهي نازحة من بلدة الدبيبات، قصصا مروعة عن فقدان عائلتها في هجمات المسيرات، ورحلة هروب سيرا على الأقدام استمرت سبعة أيام وسط الغابات، وهي معاناة تكررت مع ملايين السودانيين. وبحسب الأمم المتحدة، تسببت الحرب في تشريد نحو 11 مليون شخص، مما خلق أكبر أزمة نزوح وجوع في العالم.
لا تقتصر آثار الصراع على السودان فحسب، بل تهدد بزعزعة استقرار جنوب السودان؛ حيث أدى تدفق اللاجئين إلى ولايتي “أعالي النيل” و”الوحدة” ومنطقة “أبيي” إلى ضغوط هائلة على الموارد الشحيحة، مما دفع برنامج الأغذية العالمي لتعليق بعض مساعداته بسبب الهجمات المتكررة على القوافل الإنسانية.
التدخلات الأجنبية: وقود الصراع
يزداد المشهد تعقيدا مع تورط فاعلين دوليين في دعم أطراف النزاع؛ حيث تتهم روسيا وإيران، إلى جانب قوى إقليمية أخرى، بتزويد الجيش السوداني بالمسيرات والوقود، بينما توجه اتهامات للإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي.
ويرى الخبراء أن هذا التورط الأجنبي لا يطيل أمد العنف فحسب، بل يجعل التوصل إلى تسوية سياسية أمرا شبه مستحيل، محولا جبال النوبة من رمز للصمود الثقافي إلى محرقة لطموحات السلام في السودان.










