إيران: لن نكرر أخطاء الماضي في التعامل مع الولايات المتحدة
طهران – المنشر الإخبارى
في تصعيد سياسي لافت يعكس عمق الأزمة بين طهران وواشنطن، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده فقدت الثقة بشكل كامل في الولايات المتحدة، عقب ما وصفه بـ“الضربات العسكرية المتكررة” التي نُفذت خلال فترة المفاوضات، مؤكدًا أن استمرار هذا النهج يقوض أي فرصة لإحياء المسار الدبلوماسي.
وجاءت تصريحات بزشكيان خلال اتصال هاتفي مع نظيره البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، حيث قدّم عرضًا تفصيليًا للتطورات الأخيرة في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، والتي جرت برعاية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، إلى جانب ما وصفه بـ“الخروقات العدوانية” التي ارتكبتها واشنطن وتل أبيب لاتفاقات وقف إطلاق النار.
انهيار الثقة… نقطة تحول في مسار التفاوض
وأكد الرئيس الإيراني أن طهران كانت ولا تزال ترى في الحوار والدبلوماسية الخيار الأساسي لحل النزاعات، مشددًا على أن “الانخراط في المفاوضات كان جزءًا من مسؤولية إيران تجاه الاستقرار الإقليمي والدولي”، غير أن الأحداث الأخيرة، بحسب قوله، نسفت هذا المسار.
وأوضح أن تنفيذ هجمات عسكرية خلال فترة التفاوض يمثل “انتهاكًا صارخًا لأبسط قواعد العمل الدبلوماسي”، مضيفًا أن تكرار هذه العمليات أو حتى احتمال تكرارها في المستقبل جعل من المستحيل الوثوق في نوايا الطرف الأمريكي.
وقال بزشكيان: “عندما تُستهدف دولة أثناء جلوسها على طاولة المفاوضات، فإن ذلك لا يترك مجالًا للحديث عن حسن نية أو جدية في التوصل إلى حلول”.
شروط إيرانية لإحياء الحوار
وفي هذا السياق، وضع الرئيس الإيراني مجموعة من الشروط التي اعتبرها ضرورية لإعادة بناء الثقة، في مقدمتها وقف ما وصفه بـ“الخطاب التحريضي” الصادر عن المسؤولين الأمريكيين، وإنهاء “الإجراءات الاستفزازية” على الأرض، سواء كانت عسكرية أو سياسية.
وأشار إلى أن طهران لا ترفض المفاوضات من حيث المبدأ، لكنها ترفض الدخول في مسار تفاوضي “غير متكافئ” أو قائم على الضغوط، داعيًا واشنطن إلى إثبات جديتها عبر خطوات ملموسة تعكس التزامًا حقيقيًا بإنهاء الحرب.
وأضاف أن أي مفاوضات مستقبلية يجب أن تستند إلى ضمانات واضحة تمنع تكرار “تجارب الماضي”، في إشارة إلى الاتفاقات التي انهارت بسبب ما تعتبره إيران “سياسات أمريكية متقلبة”.
اتهامات بارتكاب “جرائم حرب”
وفي لهجة شديدة، وجّه بزشكيان اتهامات مباشرة للولايات المتحدة وإسرائيل بتنفيذ “اعتداءات عسكرية” استهدفت مواقع حيوية داخل إيران، مؤكدًا أن هذه العمليات لم تقتصر على الأهداف العسكرية، بل طالت أيضًا منشآت مدنية وبنى تحتية أساسية.
وأشار إلى أن من بين الأهداف التي تعرضت للهجوم مستشفيات ومدارس ومنشآت خدمية، إضافة إلى مواقع نووية سلمية خاضعة لإشراف دولي، معتبرًا أن استهداف هذه المنشآت يمثل “انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي” ويصنّف ضمن “جرائم الحرب”.
كما تحدث عن سقوط ضحايا من المدنيين، إضافة إلى استهداف قيادات عسكرية ومسؤولين حكوميين، في ما وصفه بـ“محاولة لزعزعة استقرار الدولة من الداخل”.
بيلاروسيا تدعو إلى التهدئة
من جانبه، أعرب الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو عن قلقه العميق إزاء تصاعد التوتر في منطقة غرب آسيا، محذرًا من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة تتجاوز حدود المنطقة لتؤثر على الأمن والاقتصاد العالميين.
وأكد لوكاشينكو أن غياب الثقة المتبادلة بين الأطراف المعنية يشكل عائقًا رئيسيًا أمام أي تقدم في المفاوضات، مشددًا على أن “أي عملية تفاوضية لن تكون مجدية أو مستدامة دون وجود حد أدنى من الثقة”.
ودعا إلى ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتعزيز إجراءات بناء الثقة، بما يهيئ الأرضية لحوار جاد يمكن أن يؤدي إلى حلول دائمة.
تقارب إيراني – بيلاروسي
وفي سياق متصل، أشاد بزشكيان بمواقف بيلاروسيا التي وصفها بـ“المبدئية”، خاصة فيما يتعلق بإدانة الهجمات العسكرية على إيران، والتعبير عن التضامن مع الشعب الإيراني.
كما أكد الطرفان على أهمية تطوير العلاقات الثنائية، حيث وصف لوكاشينكو العلاقات مع طهران بأنها “استراتيجية ومتنامية”، في حين شدد بزشكيان على أن إيران تسعى إلى توسيع تعاونها السياسي والاقتصادي والثقافي مع الدول التي تقوم علاقاتها على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
سياسة خارجية قائمة على “التوازن”
وأوضح الرئيس الإيراني أن بلاده تتبنى سياسة خارجية تقوم على “الانفتاح المتوازن” مع مختلف الدول، بعيدًا عن الاستقطابات الحادة، مع التركيز على تعزيز الشراكات التي تحقق مصالح متبادلة.
وأشار إلى أن طهران مستعدة لتعميق تعاونها مع شركائها الدوليين، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، والتي تتطلب، بحسب تعبيره، “مقاربات جديدة قائمة على الحوار وليس المواجهة”.
مشهد معقد ومستقبل غامض
تعكس هذه التصريحات حجم التعقيد الذي يحيط بالعلاقات الأمريكية الإيرانية في المرحلة الحالية، حيث تتداخل الملفات السياسية والعسكرية مع الحسابات الإقليمية والدولية، ما يجعل أي مسار تفاوضي عرضة للتعثر.
ويرى مراقبون أن انهيار الثقة بين الطرفين يمثل أحد أكبر التحديات أمام أي محاولة لإعادة إحياء الاتفاقات السابقة أو التوصل إلى تفاهمات جديدة، خاصة في ظل استمرار التصعيد على الأرض.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل المفاوضات سيظل مرهونًا بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات حقيقية، والانتقال من سياسة الضغوط إلى مقاربة أكثر توازنًا تتيح بناء حد أدنى من الثقة المفقودة.
وبينما تتصاعد التوترات، تبقى المنطقة أمام مفترق طرق حساس، قد يقود إما إلى مزيد من التصعيد، أو إلى إعادة فتح نافذة للحوار، إذا ما توفرت الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف المعنية.








