في تحول جيوسياسي وأمني خطير يشهده الممر الملاحي الأكثر حيوية في العالم، كشفت تقارير استخباراتية دولية وأممية لعامي 2025 و2026 عن نشوء “تحالف مصلحة” غير مسبوق يربط بين جماعة الحوثي في اليمن، وحركة الشباب الصومالية، وعصابات القرصنة في القرن الأفريقي وإيران، بما يخدم مصالح طهران بتهديد الملاحة.
هذا المحور الجديد، الذي تتقاطع فيه المصالح الإيرانية غير المباشرة مع أجندات الجماعات المتشددة، بات يهدد بتقويض الأمن البحري العالمي وتعطيل حركة التجارة في خليج عدن والمحيط الهندي بشكل دائم.
تكنولوجيا الحوثي في أيدي القراصنة
لم تعد القرصنة الصومالية مجرد هجمات عشوائية ينفذها صيادون محليون باحثون عن الفدية، بل تطورت إلى عمليات منظمة مدعومة بتكنولوجيا عسكرية متطورة.
ويؤكد محمد موسى أبولي، نائب مدير الاستخبارات في قوة شرطة بونتلاند البحرية، أن جماعات القرصنة حصلت مؤخراً على أجهزة تحديد مواقع عبر الأقمار الصناعية (GPS) متطورة وأسلحة نوعية من مقاتلين حوثيين وعناصر متحالفة معهم في اليمن.
ويوضح أبولي أن هذه التقنيات تتيح للقراصنة تتبع مسارات السفن التجارية بدقة متناهية، والتخطيط لهجمات في عمق البحر بعيداً عن السواحل الصومالية.
وتؤكد الأجهزة الأمنية في بونتلاند أن بعض القراصنة تلقوا بالفعل تدريبات عسكرية متقدمة داخل الأراضي اليمنية الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، مما يفسر الاحترافية المتزايدة في الهجمات الأخيرة.
لقاءات سرية واتفاقيات “نفعية”
رغم التباين الأيديولوجي العميق بين حركة الشباب (السنية التابعة لتنظيم القاعدة) والحوثيين المدعومة من إيران، إلا أن تقرير فريق الأمم المتحدة للدعم التحليلي ورصد العقوبات لعام 2025 وصف العلاقة بين الطرفين بأنها “علاقة نفعية وانتهازية”.
وكشف التقرير عن عقد اجتماعين على الأقل في الصومال بين ممثلين عن الحوثيين وحركة الشباب في يوليو وسبتمبر 2024. وخلال هذه اللقاءات، طلبت حركة الشباب أسلحة متطورة تشمل طائرات بدون طيار وصواريخ وتدريبات فنية، مقابل التزامها بتكثيف أنشطة القرصنة في خليج عدن لاستهداف سفن الشحن الدولية وتعطيل الملاحة، بما يخدم استراتيجية إيران في الضغط على القوى الدولية وتوسيع نفوذها وراء حدود الشرق الأوسط وصولاً إلى أفريقيا.
طرق التهريب والعمليات المشتركة
في 12 ديسمبر الماضي، أحبطت قوات الأمن العام في بونتلاند عملية تهريب نوعية قبالة قرية “إيل” للصيد؛ حيث اعترضت قارباً يحمل مواد كيميائية ومكونات لتصنيع المتفجرات اليدوية (IEDs)، وألقت القبض على طاقم مكون من صوماليين ويمنيين.
هذه العملية ليست سوى غيض من فيض لشبكات التهريب التي يديرها الحوثيون والحرس الثوري الإيراني، والتي تستغل السواحل الصومالية المترامية لإيصال الأسلحة لحركة الشباب وتنظيم “ولاية الصومال” التابع لداعش.
وتوفر حركة الشباب في المقابل طرق تهريب آمنة وخدمات لوجستية وشبكات محلية، مما يساعد إيران وحلفاءها على بسط نفوذهم في البحر الأحمر وخليج عدن.
عودة “عاصمة القراصنة” وتشتت القوى الدولية
بعد سنوات من الهدوء النسبي بين عامي 2020 و2022، عادت القرصنة للظهور بقوة؛ حيث ارتفعت الهجمات من 6 هجمات في 2023 إلى 22 هجوماً في 2024، مع استمرار التصاعد في عام 2026. وتستغل هذه الجماعات انشغال القوى البحرية الدولية بالنزاع المباشر في البحر الأحمر بين الولايات المتحدة وإيران والحوثيين.
ويرى الباحثان تيموثي ووكر وهالكانو واريو من معهد الدراسات الأمنية (ISS) أن “الثغرات في التغطية البحرية متعددة الجنسيات سمحت للقراصنة باستعادة أنفاسهم”.
وأشار الباحثان إلى أن جماعات القرصنة باتت تستخدم سفن صيد مختطفة كـ “سفن أم” لشن هجمات في عرض البحر، كما حدث في الهجوم على ناقلة المواد الكيميائية “ستولت ساغالاند” على بعد 300 ميل بحري من الساحل، وناقلة النفط “هيلاس أفروديت” التي صعد القراصنة على متنها قبل أن تتدخل سفينة حربية تابعة للاتحاد الأوروبي.
أرقام وحقائق: اقتصاد الجريمة
بين عامي 2005 و2012، حققت جماعات القرصنة أرباحاً هائلة تراوحت بين 339 و413 مليون دولار كفديات مالية. اليوم، يعود هذا النشاط ليس فقط كدافع اقتصادي، بل كأداة تمويل رئيسية لحركة الشباب التي تُعد من أكثر الجماعات المتشددة تمويلاً في أفريقيا، وتسيطر على مساحات واسعة من الصومال.
مشهد أمني معقد
إن المشهد في القرن الأفريقي عام 2026 بات يتجاوز مجرد جماعات متمردة محلية؛ فهو صراع مركّب تتداخل فيه الأسلحة الإيرانية المهربة عبر اليمن، مع الخبرات القتالية للحوثيين، والشبكات اللوجستية لحركة الشباب، والقدرات العملياتية للقراصنة.
هذا “المثلث” يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ وجودي لحماية ممرات التجارة العالمية، في وقت تبدو فيه القوات الأمنية المحلية في بونتلاند والصومال منهكة بين محاربة الإرهاب في الداخل (جبال كال مسكاد) ومواجهة القرصنة في البحر.










