باريس- المنشر الاخباري، في قضية وصفتها الأوساط الأمنية بـ”خيانة الأمانة في قلب السلطة”، فجرت صحيفة “لوموند” الفرنسية كشفاً استقصائياً مثيراً حول شبكة من العسكريين وموظفي قصر الإليزيه السابقين، تورطوا في تأسيس شركة خاصة تحت غطاء “الاستخبارات الاقتصادية”، بينما كانت أنشطتها الحقيقية تدور في فلك تهريب الوثائق السرية والتوسط في صفقات أسلحة دولية.
المترجم الغامض: من هو “فلاديمير” الإليزيه؟
تتمحور التحقيقات حول شخصية “لودوفيك ب.”، الذي يلقب نفسه بـ”الأميرال” أو “فلاديمير”. لم يكن لودوفيك مجرد موظف عادي، بل كان عسكرياً نشطاً حتى عام 2025، عمل في قلب خلية الاتصالات السرية بقصر الإليزيه كمترجم لغوي متخصص للغة الروسية.
وبحكم إجادته التامة للغة واقترانه بزوجه روسية، كان المسؤول الأول عن تحضير وتأمين المكالمات الهاتفية الحساسة بين الرئيس الفرنسي ونظيره الروسي.
عند اعتقاله في أبريل الماضي، عثر محققو جهاز مكافحة التجسس (DGSI) في أجهزته الإلكترونية على صور له بزي الجيش الروسي، والأخطر من ذلك، وثائق مصنفة “سرية-دفاعية” تتعلق بأوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة، وخرائط تفصيلية للسفن الحربية الروسية كان يرسمها “كهواية” في وقت فراغه.
“أرشانج سوليوشنز”: واجهة الاستخبارات الاقتصادية
بدأت القصة عام 2023 مع “داود ب.”، وهو ملازم أول سابق من أصول طاجيكية خدم في “الوحدة الخاصة للاتصالات بالإليزيه”.
داود، الذي كان يشرف على إعداد الخطوط المشفرة والميكروفونات لجلسات الرئيس، غادر الخدمة بدعوى “الإرهاق النفسي”، ليؤسس شركة “أرشانج سوليوشنز أوسينت” (Archange Solutions OSINT).
رسمياً، كانت الشركة تقدم تحليلات جيواستراتيجية من مصادر مفتوحة، لكن المداهمات التي جرت في مايو 2025 كشفت عن “خادم” يحتوي على أسرار عسكرية تتجاوز صلاحيات أي شركة خاصة:
المستوى 5 (الأكثر خطورة): مذكرة حول سيناريوهات الأزمة في لبنان، مبنية على معلومات من مستشعرات استخباراتية متخصصة.
المستوى 3: مذكرات عن تحركات القوات في ليبيا وتشاد.
المستوى 2: وثائق تقنية عن تحديثات الأسطول الحربي الروسي.
المثير للدهشة أن الشركة كانت تستخدم شعارات ورموزاً بصرية تحاكي بدقة تصميمات أجهزة الاستخبارات الرسمية، لإضفاء صبغة “الشرعية والاحترافية” على تقاريرها المسربة.
من بيع المعلومات إلى “تجارة الموت”
لم يتوقف طموح الشبكة عند بيع التقارير، بل كشفت “لوموند” عن مراسلات بين داود ب. وجهات في أوروبا الشرقية تتعلق بتجارة السلاح. تضمنت القوائم مروحيات، قذائف عيار 120 ملم، ألغاماً مضادة للدبابات، وذخائر، مع إشارات إلى بيع هذه المخزونات لمرتزقة أو دول في الجنوب العالمي.
وأقر المحلل العسكري للشركة، ميلومير س.، بأن داود وجد مجال الاستخبارات المفتوحة غير مربح بما يكفي، فقرر التحول إلى دور الوسيط في “السوق السوداء” للسلاح، مستغلاً علاقاته السابقة وخبراته العسكرية.
ثغرات في قلب الجهاز الحكومي
تطرح القضية تساؤلات حارقة حول كيفية تمكن هؤلاء الأشخاص من العمل لسنوات في قلب مراكز اتخاذ القرار السيادي رغم “الضعف النفسي” أو “الميول المشبوهة” لبعضهم. وظهرت في التحقيقات أسماء أخرى مثل “أوسيان أ.”، المترجمة في الإليزيه التي كانت تعد تقارير للشركة الخاصة أثناء دوامها الرسمي، و”نيتان م.”، العبقري المعلوماتي المصاب بـ”أسبرجر” الذي كان يدير البنية التقنية للشركة.
ردود الفعل الرسمية
بينما التزمت رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع الصمت، رد الإليزيه بأن هؤلاء الموظفين يتبعون إدارياً للأمانة العامة للدفاع والأمن القومي (SGDSN)، وهي الجهة المسؤولة عن تأهيلهم وتدقيق سجلاتهم.
حتى الآن، لا تزال تهمة “التجسس لصالح قوة أجنبية” غير ثابتة، حيث يميل المحققون إلى أن الدافع كان “المال والجشع” بالدرجة الأولى. ومع استمرار التحقيقات، تظل فرنسا في حالة تأهب لمعرفة المدى الحقيقي لهذا الاختراق الذي وصل إلى “أذن الرئيس”.










