لندن – المنشر الاخباري
بعد عقود من الاستبداد والقمع، تنفس السوريون الصعداء مع سقوط نظام الأسد، حيث شهدت المدن السورية واحتفالات عارمة ظن فيها الجميع أن عهدا جديدا من الحرية والكرامة قد بدأ، إلا أن هذه الآمال سرعان ما اصطدمت بواقع مرير؛ فمنذ لحظة التغيير وحتى مايو 2026، لم تتوقف شلالات الدماء بل تدفقت في مسارات أكثر وحشية تحت إدارة سلطة أحمد الشرع الإنتقالية.
مجازر الساحل وتصفية المكونات
بدأت فصول المأساة الكبرى في الساحل السوري وجباله في مارس 2025، حيث تحولت المنطقة إلى ساحة لعمليات تصفية عرقية وطائفية ممنهجة شملت 63 مجزرة مروعة.
ووثق المرصد السوري 1683 ضحية مدنية، كان النصيب الأكبر منها لمحافظة اللاذقية بـ 873 قتيلا، تلتها طرطوس بـ 525، وحماة بـ 272. الصادم في هذه الأحداث كان مشاركة فصائل أجنبية متطرفة انضوت تحت راية وزارة الدفاع في سلطة أحمد الشرع، مما دفع بآلاف العائلات إلى النزوح القسري خوفا من عمليات الذبح الانتقامية.
نزيف جبل العرب وانتهاك الحرمات الطبية
انتقل نزيف الدم ليشمل محافظة السويداء خلال عام 2025، حيث وثق المرصد ارتقاء 992 ضحية، بينهم 824 من أبناء الطائفة الدرزية، وتجلى التوحش في اقتحام المستشفى الوطني بالسويداء وإعدام 20 شخصا من كادره الطبي ميدانيا برصاص عناصر يتبعون لوزارتي الدفاع والداخلية السورية، في انتهاك صارخ للمواثيق الدولية، فضلا عن إعدامات طالت النساء والأطفال وأبناء العشائر.
2026: حملات التطهير في الشمال والشرق
مع مطلع عام 2026، استهدفت سلطة أحمد الشرع والمسلحون الموالون لها المكون الكردي. ولم يقتصر الأمر على الاشتباكات، بل طال القصف المدفعي والجوي قرى ريف كوباني والرقة، مما أسفر عن مقتل 28 مدنيا، بينهم ضحايا قصف لمسيرات استهدفت قرية “خراب عشق”.
وفي حلب، بلغت حصيلة القتلى في حيي الشيخ مقصود والأشرفية 49 قتيلا، وسط حالات إعدام مروعة وتمثيل بالجثامين عقب الاعتقال، بحسب المرصد السوري.
“الثقب الأسود”: الإخفاء القسري والتعذيب
يضع هذا المشهد الدامي المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية؛ فقد وثق المرصد السوري منذ سقوط النظام السابق سقوط ما يزيد عن 2829 قتيلا مدنيا.
وعلاوة على القتل، تبرز مأساة “الثقب الأسود” المتمثل في الاختفاء القسري، حيث لا يزال مصير أكثر من 2000 مفقود مجهولا، بجانب مئات المعتقلين الذين يتعرضون لصنوف وحشية من التعذيب في سجون قوى السيطرة الجديدة.
إن المرصد السوري لحقوق الإنسان، إذ يضع هذه الحصيلة أمام الرأي العام العالمي، يشدد على أن التغيير الحقيقي لا يكتمل إلا بمحاسبة القتلة، أيا كانت راياتهم، محذرا من أن عجز الحكومة الانتقالية عن لجم فصائلها “المنفلتة” ينذر بتحول البلاد إلى ساحات حرب أهلية مفتوحة.









