لندن – تقرير خاص| المنشر الإخباري
في لحظة توتر إقليمي متصاعد تعكس هشاشة المشهد السياسي والعسكري في الشرق الأوسط، تتصاعد التحليلات حول مستقبل المواجهة بين طهران وواشنطن، خاصة بعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمقترح إيراني وُصف بأنه شامل لإنهاء الحرب. وبينما تتمسك إيران بشروطها السيادية والعسكرية، ترى دوائر في واشنطن أن الاستجابة لهذه الشروط تعني اعترافاً بهزيمة استراتيجية، ما يضع الطرفين أمام طريق مسدود ينذر بمزيد من التصعيد
في اليوم التالي لرفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل استعراضي المقترح الإيراني الشامل والعملي الهادف إلى إنهاء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة بشكل غير قانوني ضد إيران، يبرز سؤال محوري داخل دوائر القرار في واشنطن: ماذا بعد؟
الإجابة، وفقاً للتقييمات الميدانية والسياسية الأخيرة، واضحة ومقلقة للمخططين العسكريين الأمريكيين. فالقوات المسلحة الإيرانية لم تعد فقط في حالة استعداد كامل لاحتمال عودة الحرب الشاملة إذا أقدم الطرف المعادي على مغامرة عسكرية جديدة، بل إنها تجاوزت أيضاً الحاجز النفسي الذي عادة ما يحدّ من اندفاع الدول نحو مواجهة مفتوحة.
وعلى كل خط أحمر واضح ومحدد، من مضيق هرمز إلى ملف التخصيب النووي، لن تتراجع إيران. أما الطرف الآخر، فهو الذي يواجه موقفاً تتآكل فيه أوراقه تدريجياً.
الوضع الميداني
إن الرد الحاسم الذي أبدته القوات المسلحة الإيرانية خلال الأيام الأخيرة تجاه محاولات العدو اليائسة لفتح ممر عبر مضيق هرمز لم يكن مجرد إحباط لتحرك تكتيكي، بل شكّل مرة أخرى دليلاً عملياً على تصميم إيران على ترسيخ سيادتها الدائمة على هذا الممر الاستراتيجي الحيوي.
وهذا ليس استعراض قوة ولا استخداماً للتهديد كأداة تفاوضية، بل تعبير مباشر عن إرادة استراتيجية طالما أساءت واشنطن تقديرها، وتدفع الآن ثمن ذلك على أرض الواقع.
في أي مواجهة بين دولتين، يبقى الاعتبار الحاسم غير المعلن هو احتمال اندلاع حرب شاملة. وكل الأدوات الأخرى – من دبلوماسية ومفاوضات وعقوبات وضغوط – تهدف أساساً إلى تحقيق الأهداف دون الوصول إلى تلك المرحلة.
لكن عندما يتم إسقاط هذا الاعتبار من الحسابات، فإن ذلك يعني أن القضية أصبحت وجودية بالنسبة للطرف المعني.
إيران، بحسب هذا التقييم، تجاوزت هذا الحاجز. ففرض منع مرور السفن المعادية في مضيق هرمز، والرد الحازم على كل محاولة أمريكية لتغيير المعادلة الجديدة، يعكس أن مسألة السيادة على المضيق أصبحت بالنسبة لطهران قضية وجود لا تقبل التفاوض.
ولذلك فهي ليست قابلة للمساومة أو التنازل، ولا تخضع لأي تسويات. والنقطة الأهم التي تتجاهلها واشنطن هي أن هذا الموقف الاستراتيجي أصبح ثابتاً وغير قابل للتراجع، حتى لو أدى إلى حرب شاملة، وهو خيار القوات المسلحة الإيرانية مستعدة له بالكامل.
الولايات المتحدة رفضت المقترح الإيراني للسلام، معتقدة أنها قادرة على فرض شروط أفضل عبر الضغط المستمر. لكن هذا التقدير ثبت خطؤه سريعاً، إذ أكدت إيران بوضوح أن أي تصعيد عسكري لن يغير من واقع سيطرتها المشروعة على مضيق هرمز.
التفاوض عبر القوة
هناك مقولة استراتيجية قديمة تقول إن “الدبلوماسية هي استمرار للحرب بوسائل أخرى”.
لكن إيران، وفق هذا التحليل، أعادت صياغة هذه القاعدة بطريقة مختلفة لم تستوعبها واشنطن جيداً، حيث قدمت طهران نموذجاً للتفاوض من موقع القوة.
فمن دون الجلوس إلى طاولة مفاوضات رسمية واحدة، حددت إيران خطوطها الحمراء بلغة عسكرية واضحة لا تقبل التأويل.
وأبرز هذه الخطوط هو ترسيخ السيادة الإيرانية الكاملة والدائمة على مضيق هرمز، وهو ما بات واقعاً عملياً تعبر عنه التطورات الميدانية.
وقد تزامن ذلك مع الظروف المناسبة التي سمحت لإيران بتقديم خطتها الشاملة لإنهاء الحرب، ليس عبر القنوات الدبلوماسية فقط، بل عبر القوة العسكرية والوجود البحري وقدرات الردع غير المتكافئة.
واشنطن، من جانبها، اختارت عدم الإصغاء.
إن التحركات المنسقة بين الجيش الإيراني والحرس الثوري في مضيق هرمز وبحر عمان تمثل تطوراً جوهرياً، إذ أثبتت قدرة إيران على التصدي لما تصفه بـ”القرصنة البحرية” التي تتجسد في الحصار البحري المفروض عليها.
ومع إسقاط عامل الردع التقليدي، يصبح الرد غير المتكافئ على الحصار خياراً لا بد منه من منظور طهران، حتى لو قاد ذلك إلى حرب شاملة.
وقد أوضح مقر “خاتم الأنبياء” المركزي، أعلى قيادة عسكرية إيرانية، أن أي استمرار في الاستهداف البحري للسفن الإيرانية سيقابل برد مباشر على مراكز استراتيجية معادية في المنطقة.
وهذا ليس تهديداً خطابياً، بل تحذير عسكري صريح بأن إيران عازمة على إخراج أي وجود عسكري معادٍ من الخليج.
العودة إلى الحرب: حسابات مختلفة
يواجه المخططون العسكريون في واشنطن واقعاً جديداً. فإمكانية العودة إلى الحرب قائمة، لكنها تختلف جذرياً عن حسابات بداية النزاع، حين توقعت الولايات المتحدة انهيار إيران سريعاً.
هذه الحسابات فشلت بالكامل. إيران لم تستسلم، ولم تنهَر مؤسساتها.
وفي حال قررت واشنطن العودة إلى الحرب، فإن ذلك سيكون بعد إدراك حقيقتين: أن الموقف الإيراني غير قابل للتغيير، وأن القبول بشروط طهران غير ممكن سياسياً داخل الولايات المتحدة.
كما أن استمرار الضغط الاقتصادي والحصار البحري لن يؤدي إلى إجبار إيران على التنازل عن مطلبين أساسيين: حرية المرور في مضيق هرمز، وحقها في تخصيب اليورانيوم.
وهنا يكمن جوهر الأزمة: العودة إلى الحرب ممكنة، لكنها ستكون كارثية على الولايات المتحدة وليس على إيران.
المأزق السياسي: لا تنازل ولا استسلام
الخطة الإيرانية المعدلة لإنهاء الحرب تم رفضها من قبل ترامب وتيار الصقور في واشنطن. وحتى الشروط الأقل صرامة لن تلقى قبولاً طالما أنها تتضمن مبدأي السيادة على هرمز وحق التخصيب.
لكن هذا ليس ضعفاً في الموقف الإيراني، بل يعكس طبيعة المأزق السياسي الأمريكي.
إيران، بحسب التقرير، خاضت خلال العام الماضي حربين واسعتين، إضافة إلى محاولات انقلابية وضغوط اقتصادية ضخمة واغتيالات استهدفت قادتها ومؤسساتها، لكنها لم تتراجع.
وقد أدى ذلك إلى إعادة صياغة عقيدتها الاستراتيجية، خصوصاً فيما يتعلق بمضيق هرمز، الذي أصبح جزءاً من منظومة الأمن القومي الإيراني.
قائمة المطالب غير القابلة للتفاوض
تشمل المطالب الإيرانية: تعويضات عن الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية والاقتصاد والسكان، ورفع العقوبات بشكل كامل، واستعادة الأصول المجمدة، وضمان حماية حلفاء محور المقاومة، إضافة إلى ضمانات تمنع تكرار الحرب.
وترى إيران أن هذه ليست شروطاً تفاوضية، بل حقوق لدولة تعرضت لاعتداءات متكررة وحصار طويل الأمد.
لكن المشكلة الأساسية في واشنطن هي أن قبول أي من هذه المطالب سيُفسر كاعتراف بالهزيمة.
أما ترامب، الذي بنى خطابه السياسي على “أمريكا أولاً” والضغط الأقصى، فلا يستطيع سياسياً الاعتراف بذلك دون خسائر داخلية كبيرة.
وفي المقابل، لا تستطيع إيران التراجع، لأن أي تنازل سيُفتح الباب أمام ضغوط جديدة وحروب لاحقة.
“العقرب في حلقة النار”
ينتهي التحليل إلى صورة رمزية تعكس المأزق: ترامب، في هذه المرحلة، يشبه عقرباً محاصراً داخل حلقة من النار.
أي خطوة يقدم عليها ستكون مكلفة: الاستمرار في الحصار يعني خسارة متزايدة، وشن حرب شاملة يعني كارثة، وقبول الشروط الإيرانية يعني هزيمة سياسية.
وفي كل الأحوال، المعادلة مغلقة.
إيران، بحسب هذا التصور، دخلت مرحلة جديدة من الجاهزية الكاملة، حيث تم تثبيت سيطرتها على مضيق هرمز، واستمرار برنامجها النووي، وتماسك محور المقاومة.
أما الولايات المتحدة، فلأول مرة في تاريخها الحديث، تجد نفسها في مواجهة خصم لا يتراجع، في صراع حول ملفات لا تقبل التسوية التقليدية.
وتخلص الرؤية إلى أن إيران دفعت ثمن سيادتها بالفعل، بينما لم تبدأ واشنطن بعد في حساب خسائرها الحقيقية.










