تشهد المنطقة الخليجية والشرق أوسطية تصعيدا سياسيا وعسكريا هو الأخطر من نوعه، وسط طبول حرب إقليمية واسعة النطاق بدأت ملامحها تتشكل بوضوح. وفي هذا السياق، صدرت تهديدات إيرانية شديدة اللهجة ومباشرة ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، وصلت إلى حد التلويح بـ “الغزو العسكري واحتلال البلاد بالكامل”.
وذلك على خلفية تقارير صحفية غربية كشفت عن خطط أمريكية تحث أبوظبي على السيطرة على جزر إيرانية في الخليج العربي، بالتزامن مع استمرار الحرب الممتدة في المنطقة منذ نحو 11 أسبوعا.
طهران: حالة “لا حرب ولا سلام” تضرنا ونحن مستعدون للمعركة
وفي أولى الردود الإيرانية الرسمية، أكد ولي الله بياتي، عضو لجنة الشؤون الداخلية والمجالس في مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان الإيراني)، أن الوضع الراهن المتمثل في حالة “لا حرب ولا سلام” بات يسبب ضررا اقتصاديا واستراتيجيا كبيرا لإيران، مشددا على أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي أمام استمرار هذا الاستنزاف.
وأضاف بياتي في تصريحات صحفية حاسمة:”يجب أن تستمر المفاوضات الدبلوماسية، ولكن في الوقت نفسه، نحن مستعدون تماما وعلى أعلى درجات الجاهزية لمواصلة المعركة العسكرية على كافة الجبهات”.
ووجه البرلماني الإيراني تحذيرا شديد الغلظة إلى العواصم العربية، وبشكل خاص إلى دولة الإمارات، قائلا: “إن تشجيع عدو الإمارات على احتلال إحدى الجزر الإيرانية اليوم سيكون خطأ فادحا وتاريخيا بالنسبة للدول العربية. فإذا حدث ذلك، وصدر أي تحرك من هذا القبيل، فإن الجمهورية الإسلامية ستحتل الإمارات بالكامل، وسيتحول الأمر فورا إلى حرب إقليمية شاملة لن تقتصر حدودها على الخليج”.
نواب شيراز يتوعدون: الإمارات تحولت لوكر إسرائيلي وسنقطع الاستثمارات
ولم تقتصر التهديدات الإيرانية على الجانب العسكري، بل امتدت لتشمل قطيعة اقتصادية وسياسية شاملة؛ حيث شن ممثل مدينة شيراز في البرلمان الإيراني، جعفر قادري، هجوما لاذعا على السياسة الخارجية لأبوظبي.
وقال قادري إن دولة الإمارات العربية المتحدة “أظهرت بوضوح خلال الأسابيع الماضية من الحرب أنها تحولت إلى وكر رسمي لإسرائيل، ولم تقصر أبدا في تقديم الدعم والخدمات لتل أبيب في هذا الاتجاه”.
وأردف قادري مهددا بمستقبل العلاقات الثنائية: “هذا البلد (الإمارات) لن يكون له أي مكان في شبكة علاقاتنا الدبلوماسية أو الإقليمية مستقبلا، ويجب على الحكومة الإيرانية ألا تسمح بأي استثمارات إماراتية جديدة داخل البلاد، مع مراجعة الاستثمارات القائمة”.
وتابع البرلماني الإيراني هجومه قائلا: “الإمارات تسير اليوم بخطى حثيثة على خطى إسرائيل وارتمت بالكامل في أحضانهم، وهذا أمر بالغ الخطورة على الأمن القومي الخليجي، لكنها في الوقت المناسب ستتلقى ردا قاسيا على (خدماتها) لتل أبيب بطريقة موجعة ستبقى محفورة في الأذهان لفترات طويلة”.
تقارير أمريكية تفجر الأزمة: خطة لسيطرة الإمارات على جزيرة “لاوان”
تأتي هذه الردود الإيرانية العنيفة متزامنة مع تقرير استخباري مطول نشرته صحيفة “التلغراف” البريطانية، كشفت فيه أن مسؤولين بارزين في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يشجعون دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل فعال على توسيع دورها العسكري والميداني في الحرب الجارية حاليا ضد إيران.
ووفقا للصحيفة، فإن واشنطن طرحت خططا تدرس من خلالها أبوظبي اتخاذ خطوات عملياتية للسيطرة على إحدى الجزر الاستراتيجية التابعة لطهران في مياه الخليج.
وتشير الصحيفة البريطانية إلى أن بعض الدوائر الضيقة المقربة من الرئيس ترامب تداولت بقوة فكرة أن تتولى القوات الإماراتية السيطرة الميدانية الكاملة على جزيرة “لاوان” الإيرانية.
وتعد “لاوان” من الجزر الحيوية التي تشير تقارير أمنية إلى أنها تعرضت بالفعل لقصف جوي وصاروخي سري وضخم خلال الضربات العسكرية التي شهدتها المنطقة في أوائل شهر أبريل الماضي.
ونقلت صحيفة “التلغراف” عن مسؤول أمني أمريكي سابق، كان مطلعا على الكواليس، قوله بوضوح للمسؤولين الإماراتيين: “اذهبوا وخذوها”، في إشارة واضحة إلى جزيرة لاوان.
وأوضح المسؤول السابق أن الإدارة الأمريكية الحالية تفضل أن يتم هذا التحرك العسكري عبر “قوات إماراتية برية على الأرض، بدلا من إقحام القوات الأمريكية بشكل مباشر في مواجهة برية”.
2800 صاروخ ومسيرة.. الإمارات تتحمل العبء الأكبر من الرد الإيراني
وتأتي هذه التطورات العاصفة في ظل تصاعد الانخراط الإماراتي غير المسبوق في الحرب المستعرة منذ 11 أسبوعا، والتي ترافقت مع تنام ملحوظ وغير مسبوق في العلاقات العسكرية والاستخباراتية بين أبوظبي وتل أبيب.
ويرى محللون عسكريون أن الحرب الحالية، والهجمات الإيرانية المكثفة والمستمرة على منشآت حيوية في دول الخليج، تسهم بشكل متسارع في إعادة رسم الاصطفافات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط عبر تشكيل محاور عسكرية متنافسة وعلنية.
وبحسب الأرقام التي أوردتها التقارير الأمنية، فقد تحملت دولة الإمارات العربية المتحدة العبء الأكبر والأعنف من الردود العسكرية الإيرانية منذ انطلاق الهجمات الإسرائيلية والأمريكية المكثفة على العمق الإيراني في أواخر فبراير الماضي.
وواجهت الدفاعات الجوية الإماراتية أكثر من 2800 صاروخ باليستي ومجنح وطائرة مسيرة انطلقت من الأراضي الإيرانية ومنصات حلفائها في المنطقة، وهو ما اعتبرته دوائر سياسية دولية “لحظة مفصلية وتاريخية” دفعت أبوظبي إلى إعادة تقييم شاملة لمنظومتها الدفاعية وحجم تحالفاتها الاستراتيجية.
إعادة تموضع شامل: الانسحاب من “أوبك” وتعميق الفجوة مع الرياض
وأدت هذه التطورات المتلاحقة إلى تعزيز متسارع لعلاقات الإمارات مع كل من واشنطن وتل أبيب، ولكن في المقابل، تسببت في بروز توترات مكتومة وفجوة سياسية أخذت تتسع مع بعض دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية؛ حيث باتت الخيارات السياسية بين الرياض وأبوظبي تظهر تباعدا أوسع بدلا من التقارب والانسجام المعتاد في الأزمات السابقة، بحسب ما أكدته مصادر صحيفة “التلغراف”.
وفي خطوة عملية تعكس عمق التحولات الاقتصادية والسياسية المرتبطة بالحرب، اتخذت دولة الإمارات قرارا مفاجئا بالانسحاب من منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”، وهي خطوة وصفها خبراء الاقتصاد بأنها تمثل إعادة تموضع اقتصادي وجيوسياسي جذري، يمنح أبوظبي مرونة أكبر بعيدا عن القيود والالتزامات الجماعية التقليدية في المنطقة.
وفي هذا الصدد، نقلت الصحيفة عن باربرا ليف، السفيرة الأمريكية السابقة لدى دولة الإمارات، قولها إن كافة أطراف الصراع الحالية في الشرق الأوسط باتت تنظر إلى المشهد الإقليمي اليوم “بشكل حاد وقاطع، لا يحتمل الرمادية، بل يقسم المنطقة بين صديق صريح أو عدو مباشر”، لافتة إلى أن المنطقة تمر بأوسع عملية إعادة تقييم للتحالفات منذ عقود طويلة.
تعاون مع “القبة الحديدية” وتباعد في المواقف الخليجية
وأفادت التقارير الاستخبارية بأن دولة الإمارات حاولت في الأسابيع الأولى من اندلاع الحرب الدفع باتجاه تشكيل جبهة خليجية موحدة بمشاركة المملكة العربية السعودية ودولة قطر للقيام بعمليات دفاعية ومضادة مشتركة ضد التهديدات الإيرانية، إلا أن تباين الرؤى حال دون ذلك.
وفي المقابل، نفذت أبوظبي ضربات جوية مركزة على أهداف عسكرية داخل جزيرة لاوان الإيرانية وجزر أخرى في أبريل الماضي، دون أن يصدر حتى الآن أي تأكيد أو نفي رسمي من السلطات الإماراتية.
على الجانب الآخر، سارعت إسرائيل إلى تعزيز تعاونها الدفاعي والأمني مع الإمارات لحمايتها من الضربات الإيرانية، وشمل ذلك تزويد أبوظبي بأنظمة دفاع جوي متطورة مشتقة من منظومة “القبة الحديدية” الشهيرة ومنظومات رادارية تشغلها أطقم مشتركة.
ورغم التقارير المتواترة التي أشارت إلى زيارات متبادلة واتصالات سرية مكثفة بين مسؤولين إماراتيين وإسرائيليين لتنسيق الضربات ضد إيران، إلا أن أبوظبي واصلت نفي هذه الأنباء رسميا عبر منصاتها الدبلوماسية.
مآلات الاصطفاف الجديد ومستقبل الخليج
بالمقابل، وضعت طهران دولة الإمارات في خانة الأعداء المباشرين؛، حيث وصفت الخارجية الإيرانية أبوظبي بأنها “شريك فعال وكامل في العدوان المستمر على الأراضي الإيرانية”.
وردت دولة الإمارات برفض هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، مؤكدة عبر بياناتها أنها تحتفظ بكامل حقوقها السيادية والقانونية والدفاعية في الرد على أي تهديد يمس سلامة أراضيها أو أمن مواطنيها.
وخلصت دراسات أمنية صادرة عن مراكز أبحاث غربية إلى أن هذه الحرب قد سرعت من ولادة محور عسكري ثلاثي جديد ومكتمل الأركان يضم كلا من (الولايات المتحدة، وإسرائيل، والإمارات)، في وقت تتباين فيه مواقف وبقية الدول الخليجية والعربية وتفضل النأي بنفسها عن التصعيد الشامل.
وحذر الخبراء الاستراتيجيون في ختام التقارير من أن هذا الاصطفاف الحاد قد يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي المعقد أصلا، ويضع دولة الإمارات في قلب صراعات إقليمية ودولية بالغة الخطورة تتجاوز حدود منطقة الخليج العربي لتطال ملفات ساخنة ومترابطة كملف قطاع غزة، ومستقبل النظام في إيران، والتحالفات الدولية الأوسع مع القوى الكبرى كروسيا والصين، مما يجعل الخروج من هذه الحرب بأقل الخسائر التحدي الأكبر لجميع الأطراف المعنية.










