بين الدمار والدخان داخل مستشفى بطهران، تحولت ثوانٍ قليلة إلى مشهد بطولي نادر، حين رفضت ممرضة مغادرة قسم حديثي الولادة وواجهت الانفجارات لإنقاذ ثلاثة أطفال لم تتجاوز أعمارهم ساعات
طهران – المنشر الإخبارى
في لحظة كان فيها كل شيء ينهار داخل مستشفى كاتم الأنبياء قرب طهران، لم يكن أمام الممرضة الإيرانية ندى سليمي سوى قرار واحد: أن تتجه نحو الحياة بدل الهروب من الموت.
فمع دوي انفجار عنيف هزّ المبنى في 1 مارس، وتناثر الزجاج وتحطم الأسقف وامتلأت الممرات بالدخان، وجدت سليمي نفسها داخل قسم حديثي الولادة أمام ثلاثة أطفال رُضع لا يدركون أن العالم من حولهم قد تحوّل إلى ساحة رعب.
ورغم حالة الفوضى الشديدة، لم تفكر الممرضة في إنقاذ نفسها، بل ركضت خلال ثوانٍ نحو الحضّانات، حاملة ثلاثة أطفال لم يمضِ على ولادتهم سوى ساعات قليلة.
وتقول سليمي إن اللحظة لم تكن تحتمل التفكير أو التردد، بل كان الدافع الوحيد هو الحفاظ على حياة هؤلاء الرضع بأي ثمن، حتى لو كان ذلك وسط انهيار المبنى نفسه.
وأظهرت كاميرات المراقبة داخل المستشفى، وفق ما جرى تداوله لاحقاً، مشهداً استثنائياً يوثق اندفاعها نحو الأطفال، ثم خروجها السريع عبر ممرات مليئة بالغبار والحطام، في وقت كانت فيه الانفجارات لا تزال تتوالى في محيط المستشفى.
وبحسب روايتها، فقد تمكنت خلال لحظات من إيصال طفلين إلى زملائها في الممر، بينما احتضنت الثالث بنفسها حتى الوصول إلى المأوى الآمن في الطابق السفلي، وسط صرخات المرضى والكوادر الطبية.
وتشير إلى أن الأطفال الثلاثة كانوا في حالة مستقرة نسبياً، لكنهم حديثو الولادة للغاية، وكانت أمهاتهم لا تزال تحت تأثير العمليات الجراحية، وهو ما جعل الموقف أكثر تعقيداً من الناحية الإنسانية.
داخل الملجأ، تصف سليمي المشهد بأنه كان مزيجاً من الخوف والدعاء والارتباك، حيث اجتمع الأطباء والممرضون مع المرضى في مساحة ضيقة تحولت إلى غرفة نجاة مؤقتة.
وتقول إنها في تلك اللحظات رفعت دعاءً قصيراً طالبة بضع دقائق إضافية من الحياة فقط، كي تتمكن من إعادة الأطفال إلى أمهاتهم، دون أن يتحول الحدث إلى مأساة كاملة.
وبعد انتهاء الخطر المباشر، أعاد الطاقم الطبي الأطفال إلى أمهاتهم، في مشهد تصفه سليمي بأنه كان من أصعب وأجمل لحظات حياتها المهنية، إذ اختلطت الدموع بين الفرح والخوف والارتياح.
وتؤكد الممرضة البالغة من العمر 36 عاماً، أنها تعمل في مجال رعاية الأطفال حديثي الولادة منذ أكثر من عقد، وأن ما حدث لم يكن استثناءً منفصلاً عن حياتها المهنية، بل امتداداً لمسؤولية يومية تعيشها داخل أقسام العناية المركزة.
وتوضح أن عمل التمريض في وحدات حديثي الولادة يتطلب قدرة نفسية عالية، نظراً للتعامل مع أطفال لا يستطيعون التعبير عن الألم، وأن الطواقم الطبية تعيش يومياً بين الحياة والموت في لحظات متقاربة.
كما تشير إلى أن الحرب جعلت هذا الواقع أكثر قسوة، حيث أصبح العاملون في القطاع الصحي يعملون تحت تهديد مباشر، في ظل اهتزاز المباني وسقوط الشظايا في محيط المستشفيات القريبة من مناطق الاستهداف.
وبحسب سليمي، فإنها سبق أن عاشت مواقف مشابهة خلال فترات توتر سابقة، حين تم نقل أطفال رضع إلى مناطق آمنة خلال عمليات إخلاء عاجلة، إلا أن حادث مارس كان الأكثر شدة وتأثيراً نفسياً.
وتضيف أن صوت الانفجارات، والغبار الكثيف، وصرخات المرضى، كلها مشاهد لا تُمحى بسهولة من الذاكرة، وأن العاملين في القطاع الطبي غالباً ما يواصلون العمل رغم الصدمات المتكررة دون توقف.
وتتابع أن لحظة لمّ شمل الأطفال مع أمهاتهم بعد الحادث كانت لحظة إنسانية خالصة، أعادت الإحساس بمعنى الحياة وسط الدمار، مؤكدة أن تلك اللحظات هي ما يمنح الطواقم الطبية القوة للاستمرار.
وتشير إلى أن التمريض في مثل هذه الظروف لا يعتمد فقط على الخبرة الطبية، بل على قدرة الإنسان على الصمود أمام مشاهد الألم المتكرر، مع الحفاظ على التوازن النفسي في أصعب الظروف.
كما لفتت إلى أن الحادث أعاد تسليط الضوء على دور الكوادر الطبية خلال فترات النزاع، حيث يتحول المستشفى من مكان للعلاج إلى خط مواجهة أولي مع تداعيات الحرب المباشرة.
وتؤكد سليمي أنها لم تعتبر نفسها بطلة، بل جزءاً من فريق كامل عمل على حماية حياة الأطفال والمرضى، مشددة على أن ما حدث كان نتيجة تعاون جماعي داخل المستشفى.
وتقول إن التواصل المستمر مع عائلات الأطفال بعد الحادث يمثل بالنسبة لها الجانب الأكثر أهمية، حيث تتابع حالتهم الصحية حتى بعد مغادرتهم المستشفى.
وفي ختام روايتها، تؤكد أن التجربة رغم قسوتها، عززت لديها قناعة أعمق بمعنى المهنة، معتبرة أن التمريض ليس مجرد وظيفة، بل التزام إنساني يقوم على الرحمة قبل أي شيء آخر.













