تحركات وزير الخارجية الأمريكي في نيودلهي حملت رسائل تهدئة بعد أشهر من التوتر التجاري والسياسي وسط خلافات متصاعدة حول روسيا والطاقة والصين ومستقبل الشراكة الاستراتيجية بين البلدين
نيودلهي-المنشر الإخباري
تشير زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو ربيو إلى الهند إلى محاولة أمريكية لإعادة ضبط العلاقات مع نيودلهي بعد مرحلة من التوترات السياسية والاقتصادية التي تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة في ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروفة بشعار “أمريكا أولًا”.
ورغم أن الزيارة استمرت أربعة أيام وشهدت لقاءات مع كبار المسؤولين الهنود وعلى رأسهم رئيس الوزراء ناريندرا مودى فإن مراقبين اعتبروا أن الهدف الأساسي منها لم يكن تحقيق اختراقات كبرى بقدر ما كان احتواء حالة القلق المتزايدة داخل الهند بشأن مستقبل العلاقة مع واشنطن.
وخلال السنوات العشرين الماضية تطورت العلاقات الهندية الأمريكية بصورة كبيرة سواء في مجالات الدفاع أو التكنولوجيا أو الأمن البحري أو مواجهة النفوذ الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لكن الأشهر الأخيرة كشفت عن تصدعات متزايدة بسبب الخلافات التجارية والعقوبات والطاقة والعلاقات مع روسيا وإيران.
وتسببت الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة على بعض الصادرات الهندية إضافة إلى الضغوط الأمريكية المتزايدة على نيودلهي بسبب استمرارها في شراء النفط الروسي بأسعار مخفضة في خلق حالة من الاستياء داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الهندية.
ويرى محللون أن العلاقات بين البلدين انتقلت من مرحلة “الشراكة الاستراتيجية الصاعدة” إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تقوم على الحسابات الاقتصادية والضغوط السياسية المتبادلة.
وقال الدبلوماسي الهندي السابق نافتيج سارنا إن الثقة بين البلدين تعرضت لتراجع واضح بسبب ما وصفه بعدم قابلية السياسات الأمريكية للتوقع خاصة في ملفات التجارة والطاقة والهجرة.
وأضاف أن الهند لم تعد تعتبر موقعها في الاستراتيجية الأمريكية أمرًا مضمونًا كما كان في السابق مشيرًا إلى أن إعادة بناء الثقة ستحتاج إلى خطوات عملية وليس مجرد زيارات دبلوماسية.
كما اعتبرت السفيرة الهندية السابقة لدى واشنطن ميرا شانكار أن زيارة روبيو جاءت بعد مرحلة شهدت توترًا ملحوظًا بسبب الرسوم الجمركية الأمريكية وتشديد إجراءات التأشيرات إلى جانب تصاعد الشكوك الهندية حول مدى التزام الولايات المتحدة بدعم الهند في مواجهة التحديات الإقليمية خصوصًا الصين.
وفي الوقت نفسه أثارت التحركات الأمريكية تجاه باكستان وإيران مخاوف إضافية داخل الهند التي تخشى حدوث تغيرات في توازنات المنطقة قد تؤثر على مصالحها الأمنية والاستراتيجية.
ويرى المسؤول الهندي السابق أجاي بيساريا أن التواصل الأمريكي الأخير مع المؤسسة العسكرية الباكستانية لم يمر مرورًا عاديًا في نيودلهي بل زاد من حالة القلق داخل دوائر صنع القرار الهندية بشأن طبيعة السياسة الأمريكية في جنوب آسيا.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية الهندي إس جايشانكار حاول روبيو التقليل من حدة الخلافات التجارية مؤكدًا أن السياسات الاقتصادية التي تتبعها واشنطن ليست موجهة ضد الهند بشكل خاص وإنما تأتي ضمن توجه عالمي لإعادة التوازن التجاري الأمريكي.
وقال إن الإدارة الأمريكية لا تسعى إلى خلق صدام مع الهند لكنها تعمل على إعادة هيكلة العلاقات التجارية بما يخدم الاقتصاد الأمريكي.
وفي المقابل أشار روبيو إلى أن البلدين باتا قريبين من التوصل إلى اتفاق تجاري وصفه بالمستدام خلال الفترة المقبلة وهو ما اعتبره البعض محاولة لاحتواء الغضب الهندي المتزايد.
ويرى الباحث هارش بانت من مؤسسة أوبزرفر للأبحاث في نيودلهي أن زيارة روبيو كانت أقرب إلى “عملية إنقاذ للعلاقات” أكثر من كونها تحولًا استراتيجيًا جديدًا.
وأوضح أن هناك قلقًا متزايدًا داخل الهند من أن الإدارة الأمريكية لم تعد تمنح العلاقة مع نيودلهي نفس الأولوية التي كانت تحظى بها خلال السنوات الماضية.
وأضاف أن واشنطن تحاول الآن إرسال إشارات سياسية وإعلامية تؤكد استمرار الشراكة لكن نجاح ذلك سيعتمد على ما ستفعله الإدارة الأمريكية لاحقًا خاصة فيما يتعلق بالرسوم الجمركية والخلافات التجارية.
من جانبه قال أجاي بيساريا إن زيارة روبيو جاءت بعد مرحلة وصفها بـ”الكابوس الاقتصادي” نتيجة سياسات الرسوم الجمركية الأمريكية معتبرًا أن واشنطن كانت بحاجة إلى طمأنة نيودلهي سياسيًا واستراتيجيًا.
وأشار إلى أن العلاقات بين البلدين تمر حاليًا بمرحلة “إعادة توازن مؤقتة” لكنها لا تزال تواجه تحديات عميقة تتعلق بالمصالح المتعارضة.
وفي خلفية هذه الخلافات يبرز ملف الطاقة كأحد أكثر الملفات حساسية إذ تتمسك الهند باستمرار شراء النفط الروسي بسبب احتياجاتها الاقتصادية الكبيرة بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص اعتماد شركائها على موسكو.
كما أن الهند تواصل الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران وروسيا رغم الضغوط الغربية وهو ما يعكس تمسك نيودلهي بمبدأ “الاستقلال الاستراتيجي” وعدم الانخراط الكامل في المحاور الدولية.
وتشير التقديرات إلى أن الهند تحاول حاليًا الاستفادة من علاقاتها المتوازنة مع جميع القوى الكبرى دون خسارة شراكتها مع الولايات المتحدة أو علاقاتها التقليدية مع موسكو وطهران.
ورغم تأكيد الجانبين على استمرار التعاون الأمني والعسكري فإن مراقبين يرون أن العلاقات الهندية الأمريكية وصلت إلى مرحلة اختبار حقيقي خاصة مع تصاعد المنافسة العالمية بين واشنطن وبكين.
كما أن استمرار الغموض حول السياسة التجارية الأمريكية يثير مخاوف داخل نيودلهي من إمكانية تعرض الاقتصاد الهندي لمزيد من الضغوط خلال الفترة المقبلة.
وفي نهاية الزيارة بدا واضحًا أن واشنطن ونيودلهي لا ترغبان في انهيار الشراكة بينهما لكنهما في الوقت نفسه لم تنجحا بعد في تجاوز الخلافات الجوهرية المتعلقة بالتجارة والطاقة والسياسة الإقليمية.
ويرى مراقبون أن مستقبل العلاقة سيعتمد على قدرة الطرفين على إدارة هذه التناقضات دون السماح لها بالتحول إلى أزمة استراتيجية مفتوحة خصوصًا في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي والتنافس المحتدم بين الولايات المتحدة والصين.










