في تحول استراتيجي لافت في خريطة التحالفات الدولية، انتقلت العلاقات الهندية-القبرصية من التعاون الدبلوماسي التقليدي إلى شراكة استراتيجية دفاعية شاملة، وهو ما يضع أنقرة أمام تحد جيوسياسي غير مسبوق في شرق المتوسط. فبعد سنوات من دعم تركيا الصريح لباكستان في ملف كشمير وتزويدها بتقنيات عسكرية متقدمة، يبدو أن نيودلهي قررت تبني استراتيجية “الرد بالمثل” عبر تعزيز وجودها في الفناء الخلفي لتركيا.
مظلة الشراكة الاستراتيجية (2026-2031)
وقعت الهند وقبرص مؤخرا خارطة طريق طموحة للتعاون الدفاعي تغطي الفترة ما بين 2026 و2031، لا تقتصر هذه الاتفاقيات على الجوانب النظرية، بل تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتعزيز الأمن البحري والسيبراني، ومكافحة الإرهاب، إضافة إلى تعاون صناعي دفاعي وثيق.
ويمثل هذا التطور “كابوسا استراتيجيا” لأنقرة، نظرا لأن قبرص هي الدولة التي لا تعترف بها تركيا منذ عام 1974، وتعتبر وجود أي قوة عسكرية في هذا النطاق تهديدا مباشرا لمصالحها وتطلعاتها البحرية في شرق المتوسط.
سلاح الردع: هل تدخل صواريخ “براهموس” المتوسط؟
تتمثل النقطة الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لتركيا في اهتمام قبرص الرسمي بشراء منظومات دفاعية هندية متطورة، مثل صواريخ “براهموس” (BrahMos) فائقة السرعة، وطائرات بدون طيار (درونز) محلية الصنع، وأنظمة الدفاع الجوي “أكاش” (Akash).
إن وصول هذه التكنولوجيا الهندية إلى قبرص يعني عمليا كسر الاحتكار التركي لموازين القوى في المنطقة، ونقل الصراع الدبلوماسي بين نيودلهي وأنقرة إلى مستوى المواجهة العسكرية غير المباشرة.
لعبة الشطرنج الجيوسياسية
تعتمد الهند في تحركها هذا على قاعدة “المعاملة بالمثل”؛ فمقابل الدعم التركي-الباكستاني الذي استهدف السيادة الهندية في كشمير، اختارت الهند دعم سيادة قبرص ووحدة أراضيها ضد الاحتلال التركي في الشمال. هذا التقارب الهندي مع قبرص، الذي يتوازى مع تقارب مواز مع اليونان، يهدف إلى تطويق النفوذ التركي وتحجيم دورها في مسارات الطاقة الدولية وممر “الهند-الشرق الأوسط-أوروبا” (IMEC).
وعلى الرغم من أن تركيا تظل قوة إقليمية تمتلك قدرات عسكرية ضخمة، إلا أن “الضغط الهندي” يفرض على أنقرة إعادة حساباتها.
إن دخول الهند كلاعب فاعل في شرق المتوسط لا يزعج تركيا فحسب، بل يضيف طبقة من التعقيد على علاقاتها مع باكستان، التي ستجد نفسها مضطرة لمراقبة تداعيات هذا التقارب الذي يربط لأول مرة بين نزاعات القوقاز والبلقان والشرق الأوسط.
بينما يرى البعض أن هذه الخطوة “كابوس استراتيجي”، يراها المحللون الاستراتيجيون في نيودلهي ضرورة فرضتها طبيعة التحالفات المتغيرة، حيث لم يعد بالإمكان قبول دعم أنقرة لباكستان دون مقابل في الملفات الأكثر حساسية بالنسبة للأمن القومي التركي.
ومع بدء تنفيذ اتفاقيات التعاون الدفاعي، تدخل منطقة المتوسط مرحلة جديدة من إعادة التموضع، حيث تتصادم الطموحات الإقليمية مع استراتيجيات التحالفات العالمية الجديدة.








