اتهامات للرئيس الأمريكي باستغلال نفوذه بعد شرائه أسهم “ديل” قبل أسابيع من حصولها على عقد ضخم من البنتاغون.. ومراقبون: البيت الأبيض يتحول إلى منصة استثمار سياسي
واشنطن – المنشر الإخبارى
أعاد عقد عسكري ضخم بقيمة 9.7 مليار دولار حصلت عليه شركة “ديل تكنولوجيز” الأمريكية من وزارة الدفاع الأمريكية، الجدل بقوة حول تضارب المصالح داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط اتهامات متزايدة للرئيس باستخدام نفوذه السياسي لتحقيق مكاسب مالية مباشرة له ولحلفائه المقربين.
وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية هذا الأسبوع منح شركة “ديل” عقدًا استراتيجيًا للإشراف على عمليات شراء وإدارة برمجيات “مايكروسوفت” لصالح الجيش الأمريكي وأجهزة الاستخبارات وخفر السواحل، في واحدة من أكبر صفقات التكنولوجيا الدفاعية خلال السنوات الأخيرة.
لكن توقيت الصفقة أثار عاصفة سياسية وإعلامية، بعدما كشفت تقارير مالية أن ترامب اشترى أسهمًا في شركة “ديل” قبل أسابيع قليلة فقط من الإعلان الرسمي عن العقد، لتقفز أسهم الشركة لاحقًا بشكل حاد عقب الإعلان عن الصفقة العسكرية.
شراء الأسهم قبل الصفقة
ووفقًا لإفصاحات مالية أمريكية، أظهرت الوثائق أن محفظة ترامب الاستثمارية اشترت في 10 فبراير الماضي أسهمًا في “ديل” تتراوح قيمتها بين مليون و5 ملايين دولار.
وبعد تسعة أيام فقط، ظهر ترامب في تجمع انتخابي بولاية جورجيا داعيًا أنصاره بشكل مباشر إلى “شراء أجهزة ديل”، قبل أن يقوم بثلاث عمليات شراء إضافية لأسهم الشركة خلال شهر مارس.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ إذ واصل ترامب الإشادة العلنية بالشركة خلال مناسبات عامة متعددة، كان آخرها خلال مأدبة أقيمت في حديقة الورود بالبيت الأبيض، حيث خص الشركة بإشادة خاصة أمام الحضور.
ويرى مراقبون أن هذا التسلسل الزمني يثير تساؤلات حادة حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي قد استخدم موقعه الرسمي للتأثير على الأسواق وتحقيق أرباح مالية شخصية.
“أجراس إنذار أخلاقية”
وقال جريج ويليامز، مدير مركز معلومات الدفاع في منظمة “مشروع الرقابة الحكومية”، إن القضية “تطلق أجراس إنذار حقيقية فيما يتعلق بتضارب المصالح”.
وأضاف أن المشكلة لا تتعلق فقط بامتلاك الرئيس لأسهم في شركة تحصل على عقود حكومية ضخمة، بل بكونه يروج لها علنًا في الوقت نفسه، وهو ما يخلق “شبهة استغلال مباشر للمنصب العام”.
ويأتي ذلك في وقت يشغل فيه مؤسس “ديل”، مايكل ديل، عضوية مجلس ترامب الاستشاري للعلوم والتكنولوجيا، كما ظهر مرارًا في فعاليات رسمية داخل البيت الأبيض.
شبكة مصالح أوسع من “ديل”
وتشير تقارير أمريكية إلى أن صفقة “ديل” ليست سوى جزء من نمط أوسع يتعلق بتحركات مالية لترامب ومحيطه السياسي.
فالإفصاحات المالية الأخيرة للرئيس كشفت أيضًا عن استثمارات كبيرة في أسهم شركات مثل “مايكروسوفت” و”أمازون”، سبقت بفترة قصيرة إعلان البنتاغون عن عقود مرتبطة بتكنولوجيا تلك الشركات في شبكات عسكرية واستخباراتية سرية.
وعلى خلاف رؤساء أمريكيين سابقين وضعوا أصولهم في “صناديق عمياء” مستقلة لتجنب تضارب المصالح، لا تزال أصول ترامب تدار عبر صندوق تشرف عليه عائلته وأبناؤه بشكل مباشر.
ويحذر خبراء أخلاقيات من أن القوانين الأمريكية الحالية تعفي الرئيس من بعض قواعد تضارب المصالح المطبقة على الموظفين الفيدراليين الآخرين، ما يفتح الباب أمام استغلال النفوذ السياسي لأغراض مالية.
وقالت مارجريت دايلوس، المستشارة القانونية السابقة في مكتب الأخلاقيات الحكومية، إن “المعيار الأخلاقي التقليدي كان دائمًا يقوم على تجنب حتى مجرد ظهور شبهة الإثراء الشخصي”.
وأضافت أن “ترويج ترامب لشركة يملك أسهمًا فيها، ويرتبط مؤسسها بعلاقات وثيقة معه، يخلق بلا شك مظهرًا واضحًا لتضارب المصالح”.
الكونغرس تحت الضغط
ودعا مراقبون الكونغرس الأمريكي إلى التحرك لسد “الثغرات القانونية” المتعلقة بإعفاء الرئيس من قوانين تضارب المصالح.
وقال ويليامز إن الولايات المتحدة “لا يمكنها الاستمرار في الاعتماد على نزاهة الرئيس الشخصية وحدها لمنع تضارب المصالح”.
وتأتي هذه التطورات بينما تواجه إدارة ترامب اتهامات متزايدة بتحويل القرارات الحكومية إلى أدوات لخدمة شبكات مالية وسياسية مقربة من البيت الأبيض.
الحرب على إيران تدخل على الخط
وفي سياق متصل، وسّع سياسيون أمريكيون دائرة الانتقادات لتشمل طريقة إدارة الحرب الأخيرة ضد إيران.
فخلال فعالية للحزب الديمقراطي في جورجيا، اتهم السيناتور الأمريكي جون أوسوف ترامب وحلفاءه بتحقيق أرباح هائلة من التصعيد العسكري مع طهران.
وقال أوسوف إن الحرب “تكلف الولايات المتحدة قوتها وثروتها”، بينما “تجني شبكات المصالح المحيطة بترامب مليارات الدولارات”.
وأضاف ساخرًا: “عصابة مارالاغو تجد دائمًا طريقة لتحقيق الأرباح”.
وأشار السيناتور إلى تقارير تحدثت عن استثمارات ضخمة في قطاع الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة والنفط قبيل التصعيد العسكري ضد إيران.
صفقات النفط والطائرات المسيّرة
ومن بين القضايا التي أثارت الجدل، تقارير تحدثت عن تحركات مالية مرتبطة بمقربين من وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، سعوا للاستثمار في شركات دفاعية قبل اندلاع الحرب.
كما أشارت تقارير أخرى إلى أن شركة مرتبطة بأبناء ترامب كانت تروج لأنظمة اعتراض الطائرات المسيّرة لدول خليجية خلال ذروة التوتر الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، كشفت تقارير اقتصادية عن عمليات شراء ضخمة لعقود نفطية مستقبلية قبل دقائق من منشورات نشرها ترامب عبر منصته “تروث سوشيال”، تسببت في ارتفاع أسعار النفط بنسبة وصلت إلى 13%.
“رأسمالية البيت الأبيض”
ويرى محللون أن إدارة ترامب باتت تواجه اتهامات غير مسبوقة بتحويل البيت الأبيض إلى مركز لإدارة المصالح المالية الخاصة.
ويقول منتقدون إن العقود الحكومية الضخمة، والتصريحات الرئاسية المؤثرة على الأسواق، والتحركات الاستثمارية المتزامنة، ترسم صورة لنمط جديد من “رأسمالية النفوذ السياسي”.
في المقابل، ينفي مقربون من ترامب وجود أي مخالفات قانونية، مؤكدين أن استثماراته “معلنة وشفافة”، وأن الرئيس “لا يدير أمواله بشكل مباشر”.
لكن الجدل المتصاعد داخل واشنطن يشير إلى أن ملف تضارب المصالح قد يتحول إلى أحد أكثر الملفات حساسية خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات السياسية والانتخابية القادمة.










