تقرير لـ“فايننشال تايمز” يكشف إعادة هيكلة مالية ضخمة للشركة المالكة للقناة المعارضة لإيران وتحويل ديونها إلى أسهم بقيمة 650 مليون جنيه إسترليني يعيد الجدل حول مصادر تمويل الشبكة وعلاقاتها المحتملة بدوائر سعودية وإسرائيلية
طهران – المنشر الإخبارى
كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية عن عملية إعادة هيكلة مالية ضخمة للشركة المالكة لقناة “إيران إنترناشيونال”، تضمنت إعفاءً من ديون بقيمة 650 مليون جنيه إسترليني عبر تحويل الديون إلى أسهم، في خطوة أعادت فتح الجدل حول مصادر تمويل الشبكة المثيرة للجدل وعلاقاتها السياسية والإعلامية في المنطقة.
وبحسب التقرير، فإن الشركة الأم للقناة، “فولانت ميديا يو كيه”، التي تدير أيضاً قناة “أفغانستان إنترناشيونال”، نفذت في ديسمبر الماضي عملية “مبادلة ديون بأسهم” هدفت إلى إنقاذ ميزانيتها المالية بعد سنوات من الخسائر المتراكمة.
وأظهرت السجلات المالية البريطانية، التي اطلعت عليها الصحيفة، أن الشركة راكمت خسائر تجاوزت 410 ملايين جنيه إسترليني خلال السنوات الخمس الأخيرة، في وقت بلغت فيه ديونها تجاه كيانات مرتبطة بها نحو 482 مليون جنيه إسترليني.
ووفق الوثائق الرسمية، جرى تخصيص 648 مليون سهم جديد بقيمة إجمالية بلغت 648 مليون جنيه إسترليني في 13 ديسمبر، بينما تم في اليوم نفسه نقل جميع الأسهم الأصلية للشركة، وعددها 50 ألف سهم، من المنتج السينمائي البريطاني – السعودي عادل عبد الكريم العبد الكريم إلى شركة أوفشور تحمل اسم “إنفو كاست كايمان”.
ورغم أن الوثائق لم تكشف الجهة التي حصلت على الأسهم الجديدة، فإن اسم عادل العبد الكريم لا يزال مدرجاً بصفته صاحب النفوذ الرئيسي داخل الشركة، نظراً لامتلاكه صلاحية تعيين أو إقالة غالبية أعضاء مجلس الإدارة.
كما أشارت السجلات الخاصة بجزر كايمان إلى أن المدير الوحيد لشركة “إنفو كاست كايمان” هو صالح حسين الدويس، وهو اسم يتطابق مع مسؤول تنفيذي بارز في “المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام”، الأمر الذي أثار تكهنات جديدة بشأن طبيعة الجهات الداعمة للشبكة الإعلامية.
ولم تصدر المجموعة السعودية أي تعليق رسمي على ما ورد في التقرير، رغم طلبات الصحيفة البريطانية للحصول على توضيحات.
من جهتها، أكدت إدارة “إيران إنترناشيونال” أن عملية تحويل الديون إلى أسهم جاءت فقط “لتعزيز الميزانية العمومية للشركة”، مشددة على أن العملية لم تتضمن ضخ أموال جديدة.
ونفت القناة بشكل قاطع تلقي أي تمويل مباشر أو غير مباشر من حكومات أو مؤسسات أجنبية، بما في ذلك السعودية أو إسرائيل، مؤكدة أن الشبكة “لم تحصل يوماً على دعم من أي دولة”.
إلا أن الجدل حول القناة لم يتوقف عند حدود التمويل، بل امتد خلال السنوات الأخيرة إلى اتهامات متكررة لطهران للشبكة بلعب دور مباشر في “الحرب الإعلامية والنفسية” ضد إيران، خصوصاً خلال فترات التصعيد الإقليمي والحروب الأخيرة.
وكانت وسائل إعلام إيرانية قد بثت في أكتوبر الماضي تقارير تحدثت عن “عملية استخباراتية ناجحة” كشفت أماكن إقامة شخصيات مرتبطة بجهاز الموساد الإسرائيلي وتعمل ضمن منصات إعلامية معارضة لإيران، من بينها أفراد مرتبطون بقناة “إيران إنترناشيونال”.
وقالت السلطات الإيرانية حينها إن القناة تحولت إلى “منصة عمليات نفسية” تعمل لصالح خصوم إيران، متهمة إياها بتبني خطاب منحاز خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، وكذلك خلال المواجهات العسكرية الأخيرة بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي هذا السياق، أعادت وسائل إعلام إيرانية تداول تصريحات سابقة للصحفي الإسرائيلي باراك رافيد، الذي قال إن “الموساد يستخدم هذه الوسيلة الإعلامية بشكل متكرر في حربه المعلوماتية”.
كما سبق أن وقع نحو 450 ناشطاً وإعلامياً إيرانياً، بينهم معارضون للنظام الإيراني، بيانات انتقدت أداء القناة، ووصفتها بأنها “منصة غير مهنية” و”ناطقة باسم المشروع الإسرائيلي”، مطالبين بمقاطعتها إعلامياً.
ويرى مراقبون أن الأرقام المالية الضخمة التي كشفتها “فايننشال تايمز” تطرح تساؤلات أوسع حول الكلفة الحقيقية لتشغيل الشبكات الإعلامية السياسية الناطقة بالفارسية في الخارج، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية الحادة واستخدام الإعلام كأداة نفوذ وصراع جيوسياسي.
ويشير محللون إلى أن استمرار قناة بحجم “إيران إنترناشيونال” رغم الخسائر المتراكمة يوحي بوجود داعمين مستعدين لتحمل تكاليف مالية هائلة مقابل الحفاظ على حضور إعلامي مؤثر داخل المشهد الإيراني.
كما يعتقد خبراء أن عملية تحويل الديون إلى أسهم لا تمثل مجرد إجراء مالي تقني، بل تعكس محاولة لإعادة ترتيب هيكل الملكية وتحصين القناة مالياً وسياسياً في مرحلة تشهد تصاعد المواجهة الإعلامية بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين.
وفي المقابل، ترى أطراف معارضة للنظام الإيراني أن الهجوم الرسمي المتواصل على القناة يعود إلى تأثيرها الواسع داخل إيران، خاصة مع تزايد اعتماد قطاعات من الإيرانيين على المنصات الإعلامية الخارجية للحصول على الأخبار والمعلومات.
لكن منتقدين للقناة يقولون إن تغطيتها السياسية خلال السنوات الأخيرة تجاوزت أحياناً الخطوط المهنية التقليدية، واتجهت نحو خطاب تعبوي وتحريضي، خصوصاً خلال فترات الاحتجاجات الداخلية أو التصعيد العسكري في المنطقة.
ومع استمرار الغموض حول البنية التمويلية الحقيقية للشبكة، يبدو أن ملف “إيران إنترناشيونال” سيبقى جزءاً من معركة أوسع تتداخل فيها السياسة والإعلام والاستخبارات والمال، في واحدة من أكثر ساحات الصراع الإقليمي تعقيداً










