مدعية المحكمة الجنائية الدولية السابقة فاتو بنسودا تكشف تفاصيل حملة ترهيب وتجسس استمرت سنوات، قادها جهاز الموساد، بهدف تعطيل التحقيقات في جرائم الحرب الإسرائيلية بالأراضي الفلسطينية وإسقاط مسار المحاكمة الدولية.
لندن – المنشر الإخبارى
في تطور بالغ الحساسية يفتح الباب أمام واحدة من أخطر معارك الظل بين أجهزة الاستخبارات والمؤسسات القضائية الدولية، فجّرت المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، واحدة من أخطر الشهادات المتعلقة بالصراع بين إسرائيل والمحكمة الجنائية الدولية، بعدما كشفت عن تعرضها لحملة ترهيب وضغوط استخباراتية منظمة قادها جهاز “الموساد” الإسرائيلي على مدى سنوات، بهدف إجبارها على وقف التحقيق في جرائم الحرب المرتكبة بالأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي خطاب ألقته في مدينة لاهاي الهولندية، تحدثت بنسودا للمرة الأولى بتفاصيل مباشرة عن الضغوط التي تعرضت لها منذ فتح التحقيقات الأولية بشأن الانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين، مؤكدة أن الحملة تجاوزت حدود الضغط السياسي التقليدي ووصلت إلى التهديد الشخصي والملاحقة الأمنية واستهداف عائلتها.
وقالت المدعية السابقة إن جهاز “الموساد” حاول عرقلة تحقيقات المحكمة عبر “الترهيب المنهجي”، موضحة أن الضغوط بدأت منذ عام 2015 عقب فتح الفحص الأولي المتعلق بالأوضاع في الأراضي الفلسطينية.
وكشفت بنسودا أن رئيس جهاز “الموساد” الإسرائيلي السابق يوسي كوهين لعب دوراً مباشراً في إدارة أجزاء من العملية، وظهر باعتباره “رسولاً غير رسمي” لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في محاولة لإقناعها بالتراجع عن التحقيقات.
وبحسب روايتها، شهدت السنوات اللاحقة سلسلة من الحوادث المقلقة، بينها إرسال ظرف يحتوي على 500 دولار إلى منزلها في إشارة وصفتها بأنها “رسالة واضحة بأنها تحت المراقبة”.
وقالت بنسودا في تصريحات نقلتها وسائل إعلام دولية: “وصلوا إلى منزلي مباشرة.. فهمت الرسالة التي أرادوا إيصالها”.
وأضافت أن الضغوط تصاعدت لاحقاً، وصولاً إلى لقاء سري في نيويورك واجهها خلاله يوسي كوهين بشكل مباشر، محذراً إياها من أن استمرار التحقيق قد يعرّضها وعائلتها للخطر.
وأشارت المدعية السابقة إلى أن الحملة لم تقتصر على التهديدات المباشرة، بل تضمنت أيضاً محاولات لتشويه سمعتها عبر استهداف زوجها، من خلال تسريبات ومعلومات قالت إن “الموساد” جمعها من تسجيلات مراقبة واعتراضات سرية.
ورغم تلك الضغوط، مضت المحكمة الجنائية الدولية في مسار التحقيق، قبل أن تعلن رسمياً عام 2021 فتح تحقيق جنائي في الجرائم المرتكبة بالأراضي الفلسطينية المحتلة، في خطوة أثارت غضباً واسعاً داخل إسرائيل والولايات المتحدة.
وتأتي هذه الشهادة في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد المواجهة السياسية والقانونية بين إسرائيل والمحكمة الجنائية الدولية، خصوصاً بعد تحركات المحكمة الأخيرة لإصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت على خلفية الحرب في غزة.
كما تكشف تصريحات بنسودا حجم الضغوط الدولية التي تعرضت لها المحكمة خلال السنوات الماضية، ليس فقط من إسرائيل، بل أيضاً من الولايات المتحدة، التي فرضت عقوبات عام 2020 على بنسودا نفسها، قبل أن تمتد لاحقاً إلى المدعي العام الحالي كريم خان وعدد من قضاة المحكمة.
وشملت تلك العقوبات تجميد أصول مالية وقيوداً مصرفية ومنعاً للتعامل مع حسابات شخصية، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة مباشرة لإخضاع المحكمة ومنعها من ملاحقة مسؤولين إسرائيليين أو أميركيين.
وفي حديثها، عبّرت بنسودا عن شعورها بأنها “تُركت وحدها” خلال تلك المواجهة، مطالبة الاتحاد الأوروبي والدول الداعمة للمحكمة الجنائية الدولية بتوفير حماية حقيقية للمؤسسة القضائية الدولية من الضغوط والابتزاز الخارجي.
ويرى خبراء قانونيون أن ما كشفته بنسودا يمثل سابقة خطيرة في تاريخ العلاقة بين أجهزة الاستخبارات والمحاكم الدولية، لأنه يسلط الضوء على محاولات مباشرة للتأثير على مسار العدالة الدولية عبر أدوات أمنية واستخباراتية.
كما تثير الشهادة تساؤلات واسعة حول حجم التدخلات السرية التي صاحبت التحقيقات المتعلقة بجرائم الحرب في فلسطين، ومدى تعرض المؤسسات القضائية الدولية لضغوط سياسية وأمنية من قوى كبرى.
وتعيد هذه التطورات فتح النقاش حول مستقبل المحكمة الجنائية الدولية نفسها، وقدرتها على الاستمرار كهيئة قضائية مستقلة في ظل المواجهة المفتوحة مع دول تمتلك نفوذاً سياسياً واستخباراتياً واسعاً.
وفي المقابل، لم تصدر إسرائيل حتى الآن رداً رسمياً مفصلاً على الاتهامات الجديدة، بينما دأبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على رفض اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في القضايا المتعلقة بفلسطين، ووصفت التحقيقات مراراً بأنها “مسيسة”.
لكن شهادة بنسودا، بما تحمله من تفاصيل غير مسبوقة، قد تدفع نحو مرحلة جديدة من التدقيق الدولي في أساليب الضغط التي مورست خلف الكواليس لمنع ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين، في واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ العدالة الدولية الحديثة.










