بعد سقوط مسيّرة روسية على مبنى سكني في رومانيا، الصحيفة البريطانية تدعو الحلف الأطلسي إلى تعزيز دفاعاته الجوية وإظهار جاهزية أكبر للرد على ما تصفه بالتجاوزات المتكررة القادمة من موسكو.
لندن – المنشر الإخبارى
اعتبرت صحيفة الإندبندنت البريطانية أن حادث سقوط طائرة مسيّرة روسية على مبنى سكني داخل الأراضي الرومانية يمثل جرس إنذار جديداً لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، محذرة من أن تكرار مثل هذه الحوادث قد يفرض على الحلف إعادة النظر في قواعد الردع والتعامل مع التحركات العسكرية الروسية قرب حدوده الشرقية.
وفي افتتاحية خصصتها للحادث، رأت الصحيفة أن الواقعة لا يمكن النظر إليها باعتبارها حادثاً معزولاً، بل تأتي ضمن سياق أوسع من التوتر المتصاعد بين روسيا والدول الغربية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وما تبعها من مواجهات غير مباشرة بين موسكو وحلف الناتو.
حادث جديد داخل أراضي دولة عضو بالناتو
وكانت السلطات الرومانية قد أعلنت سقوط طائرة مسيّرة روسية على مبنى سكني في مدينة غالاتي الواقعة شرق البلاد بالقرب من الحدود الأوكرانية، ما أثار تساؤلات حول كيفية وصول الطائرة إلى عمق الأراضي التابعة لدولة عضو في الحلف الأطلسي.
وترى الصحيفة أن خطورة الحادث لا تكمن فقط في الأضرار المادية أو البشرية المحتملة، بل في كونه يعكس هشاشة الوضع الأمني على الحدود الشرقية للحلف، حيث أصبحت بعض الدول الأوروبية عرضة بشكل متكرر لتداعيات الحرب الدائرة في أوكرانيا.
سلسلة من الحوادث والاختراقات
وأشارت الافتتاحية إلى أن حادث رومانيا ليس الأول من نوعه، إذ شهدت السنوات الأخيرة سقوط طائرات مسيّرة وصواريخ وشظايا عسكرية في عدد من الدول المجاورة لأوكرانيا، بما في ذلك بولندا ورومانيا ودول البلطيق.
وترى الصحيفة أن هذه الوقائع تضاف إلى ما تعتبره الدول الغربية سلسلة من الأنشطة الروسية التي تشمل الهجمات الإلكترونية، ومحاولات التأثير السياسي، وعمليات المراقبة والاستطلاع، فضلاً عن أعمال تخريب تستهدف بنى تحتية ومرافق حساسة داخل أوروبا.
خطأ تقني أم سلوك متعمد؟
ورغم الجدل الدائر حول أسباب دخول المسيّرة إلى الأراضي الرومانية، تؤكد الصحيفة أن الصورة ما زالت غير مكتملة.
فمن الممكن أن تكون الطائرة قد تعرضت لتشويش إلكتروني أدى إلى انحراف مسارها، أو واجهت خللاً تقنياً تسبب في فقدان السيطرة عليها، كما لا تستبعد بعض التقديرات أن يكون الحادث نتيجة سلوك عسكري متهور أثناء العمليات القتالية الجارية بالقرب من الحدود.
وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى تصريحات الأمين العام لحلف الناتو الذي وصف بعض التحركات العسكرية الروسية الأخيرة بأنها “متهورة وخطرة”، خصوصاً عندما تقع بالقرب من أراضي الدول الأعضاء.
لماذا لا يفعل الناتو المادة الخامسة؟
ورغم خطورة الحادث، تستبعد الصحيفة أن يؤدي إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو، والتي تنص على أن أي هجوم على دولة عضو يعتبر هجوماً على جميع أعضاء الحلف.
وتوضح أن تطبيق هذه المادة يتطلب وجود هجوم واضح ومتعمد ومستمر، بينما لا يزال من الصعب إثبات أن سقوط المسيّرة في رومانيا كان عملاً عدائياً مقصوداً يستهدف الحلف بشكل مباشر.
لكنها في الوقت نفسه تحذر من أن الاكتفاء باعتبار هذه الحوادث مجرد أخطاء عرضية قد يبعث برسائل ضعف ويشجع على تكرارها مستقبلاً.
الحاجة إلى تعزيز الدفاعات الجوية
وترى الإندبندنت أن الدرس الأهم من الحادث يتمثل في ضرورة تسريع تطوير أنظمة الدفاع الجوي في أوروبا، خاصة في الدول الواقعة على الخطوط الأمامية للمواجهة مع روسيا.
وأشارت إلى أن رومانيا اضطرت لإرسال مقاتلات من طراز إف-16 لملاحقة المسيّرة، إلا أن الطيارين واجهوا صعوبة في التعامل معها بسبب وجودها فوق مناطق مأهولة، الأمر الذي جعل خيار إسقاطها محفوفاً بالمخاطر.
وبحسب الصحيفة، فإن مثل هذه الحوادث تكشف الحاجة إلى أنظمة أكثر تخصصاً في مواجهة الطائرات المسيّرة الصغيرة والمنخفضة الارتفاع، بدلاً من الاعتماد على المقاتلات التقليدية المكلفة.
أوكرانيا نموذج يمكن الاستفادة منه
وأكدت الصحيفة أن أوروبا تمتلك قاعدة صناعية وتقنية تسمح لها بتطوير قدرات دفاعية متقدمة، لكنها بحاجة إلى تسريع وتيرة الاستثمار في هذا المجال.
كما دعت إلى الاستفادة من الخبرة الأوكرانية التي تراكمت خلال سنوات الحرب، سواء في تشغيل الطائرات المسيّرة أو في تطوير وسائل اعتراضها وإسقاطها.
وترى أن أوكرانيا تحولت عملياً إلى مختبر عسكري مفتوح للحرب الحديثة، ما يجعل خبراتها ذات قيمة كبيرة بالنسبة لجيوش الناتو.
رسالة إلى موسكو
وفي ختام افتتاحيتها، شددت الإندبندنت على أن حلف الناتو مطالب بإظهار قدر أكبر من الجاهزية والردع تجاه أي اختراقات أو حوادث مشابهة، بغض النظر عما إذا كانت متعمدة أو ناتجة عن أخطاء.
وترى الصحيفة أن الهدف ليس التصعيد مع روسيا، بل إرسال رسالة واضحة مفادها أن أمن الدول الأعضاء وحدودها وسيادتها ليست قابلة للاختبار أو التجربة، وأن أي تجاوزات مستقبلية ستواجه برد أكثر صرامة وحزماً.










