بوغوتا –حسمت كولومبيا، في وقت متأخر من ليل الأحد، المشهد الانتخابي للجولة الأولى، حيث تأهل رسمياً المرشحان أبيلاردو دي لا إسبرييا وإيفان سيبيدا إلى جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية، وذلك بعد فرز أكثر من 99% من الأصوات.
وأكدت النتائج حجم الاستقطاب الحاد والانقسام الأيديولوجي الذي يشهده الشارع الكولومبي بين تيار اليمين المتشدد وتيار اليسار الحاكم، في مفاجأة انتخابية لم تتوقعها استطلاعات الرأي.
نتائج متقاربة وسباق مفتوح
أظهرت النتائج الرسمية تصدر دي لا إسبرييا، المحامي الجنائي اليميني المتطرف، للسباق بنسبة 43.72% من الأصوات، أي ما يعادل أكثر من عشرة ملايين صوت، متفوقاً بفارق زاد عن 656 ألف صوت على منافسه إيفان سيبيدا، مرشح تحالف “الميثاق التاريخي” اليساري وحليف الرئيس الحالي غوستافو بيترو، الذي نال 40.92%.
وفي المقابل، شكلت النتائج صدمة لمرشحة حزب “المركز الديمقراطي”، بالوما فالنسيا، التي حصلت على 6.92% فقط من الأصوات، مما يؤكد تراجع نفوذ حركة أوريبي كقوة مستقلة، وهو ما وصفه الخبراء بمرحلة “ما بعد أوريبي”.
ونظراً لعدم حصول أي من المرشحين على نسبة الـ 50% المطلوبة للحسم من الجولة الأولى، حددت السلطات الانتخابية يوم 21 يونيو 2026 موعداً لجولة الإعادة التي ستحدد هوية الرئيس القادم للفترة (2026-2030).
مفاجأة “النمر” في وجه استطلاعات الرأي
تعد هذه النتيجة أكبر مفاجأة انتخابية في كولومبيا منذ عقود؛ حيث خالف دي لا إسبرييا، الملقب بـ”النمر”، كافة التوقعات التي رجحت فوز مرشح الحزب الحاكم. وقد نجح المحامي البالغ من العمر 47 عاماً، والذي يفتقر للخبرة السياسية التقليدية، في استقطاب شريحة واسعة من الناخبين المحافظين الذين يشعرون بالاغتراب عن الأحزاب التقليدية.
ويرى محللون أن دي لا إسبرييا استثمر بذكاء في قيم المجتمع الكولومبي المحافظ، متبنياً خطاباً قوياً حول “القبضة الحديدية” الأمنية، وهو ما لاقى صدى واسعاً لدى الناخبين الساخطين على الأوضاع الحالية.
تصاعد حدة الخطاب السياسي
في أعقاب إعلان النتائج، سادت أجواء من التوتر. فقد اتهم الرئيس غوستافو بيترو “الشركة الخاصة” المسؤولة عن نقل النتائج السريعة بعدم الدقة، مشككاً في الأرقام الأولية ومطالباً بتشكيل لجنة لإعادة الفرز، رغم تأكيد البعثات الدولية، التي ضمت 1330 مراقباً، على نزاهة العملية.
من جانبه، لم يظهر المرشح سيبيدا أي رغبة في التهدئة، واصفاً خصمه بـ”الفاشي” و”محتال المحتالين”، ومحذراً من أن المكاسب الاجتماعية التي حققتها حكومة بيترو ستُسحق في حال وصول “النمر” إلى السلطة.
وفي المقابل، رد دي لا إسبرييا من منصة في بارانكيا بنبرة ملحمية، متعهداً بالدفاع عن الديمقراطية “بالعقل أو بالقوة”، ومستنداً إلى دعم علني من الرئيس السابق ألفارو أوريسي والمرشحة الخاسرة بالوما فالنسيا، التي دعت أنصارها للتصويت له في الجولة الثانية.
رهان الجولة الثانية
تشير الحسابات السياسية إلى أن دي لا إسبرييا يمتلك أفضلية واضحة إذا نجح في استمالة أصوات قاعدة فالنسيا اليمينية. ومع وجود ما يقرب من ثلاثة ملايين ناخب متردد، ستكون الأسابيع الثلاثة المقبلة فترة حاسمة وتنافسية للغاية.
بينما يرى البعض في انقسام البلاد تهديداً لاستقرارها، يعتقد خبراء آخرون أن المؤسسات الدستورية الكولومبية، من القضاء المستقل إلى السجل الوطني الفعال، قادرة على حماية المسار الديمقراطي.
ومع ذلك، يبقى الشارع الكولومبي في حالة ترقب، بانتظار جولة إعادة ستُبقي البلاد منقسمة إلى معسكرين متطرفين، في صراع لا يتوقف عند حدود صناديق الاقتراع، بل يمتد ليشمل مستقبل الهوية الوطنية والسياسات الاقتصادية والأمنية للبلاد لأربع سنوات قادمة.










