في قراءة استراتيجية لافتة، نشر “معهد الشؤون الخارجية” (IFA) التابع لوزارة الخارجية الإثيوبية تقريرا تحليليا يزعم فيه تراجع الدعم العربي لمصر في قضية سد النهضة، مرجعا ذلك إلى أفول حقبة “القومية العربية” التي كانت تمنح القاهرة القدرة على صياغة مصالحها الوطنية كقضايا أمن قومي عربي أوسع.
أفول الخطاب القومي وتأثيره على النفوذ المصري
يرى المعهد الإثيوبي أن مصر لا تزال تمتلك أدوات قوة مؤثرة؛ كقناة السويس والجيش والخبرة الدبلوماسية، لكنه يشدد على أن “الميزة الاستراتيجية” التي كانت تتمتع بها في عصر القومية العربية قد تلاشت.
و في ذلك الوقت، كانت مصر تنجح في حشد العالم العربي خلف مخاوفها، أما اليوم، فقد تغيرت البيئة الإقليمية وأصبحت الدول العربية أكثر تركيزا على مصالحها الوطنية الضيقة، الاقتصادية والأمنية، بعيدا عن التنسيق العربي الشامل الذي كان سائدا في العقود الماضية.
سد النهضة: من تهديد عربي إلى واقع جيوسياسي
يجسد سد النهضة وفقا للتقرير هذا التحول، فبينما استمرت مصر في وصف السد بأنه تهديد وجودي لأمنها المائي، وحصلت على مواقف متعاطفة من جامعة الدول العربية، لم تترجم هذه التصريحات إلى ضغط فعلي يمنع إثيوبيا من استكمال بناء السد وافتتاحه في سبتمبر 2025.
ويعتبر المعهد الإثيوبي أن إكمال السد وتكريس واقع جديد على النيل يثبت أن التصريحات الدبلوماسية الرمزية لم تعد كافية لعرقلة خطط التنمية في دول أعالي النيل.
إعادة تشكيل موازين القوى في البحر الأحمر
وفيما يخص البحر الأحمر، ينتقد التقرير الرؤية المصرية التي تحصر أمن الممر المائي في الدول الساحلية فقط. ويجادل المعهد بأن إثيوبيا، بثقلها الديموغرافي والاقتصادي، لا يمكن اعتبارها “دولة داخلية سلبية”، بل هي فاعل إقليمي أساسي يتأثر مباشرة بأمن الممرات البحرية.
ويشير التقرير إلى أن أزمة الملاحة في البحر الأحمر خلال عامي 2024 و2025 أثبتت أن السيطرة على قناة السويس لا تعني بالضرورة التحكم في كامل السلسلة البحرية، مما يضعف قدرة مصر على فرض رؤيتها المنفردة على المنطقة.
فرصة استراتيجية لإثيوبيا
يخلص التحليل الإثيوبي إلى أن تراجع النفوذ العربي لمصر يفتح أمام أديس أبابا مساحة أكبر للتحرك مع قوى إقليمية ودولية (دول الخليج، تركيا، الصين، والجهات الغربية) دون أن تكون هذه العلاقات مرهونة بالاعتراضات المصرية.
ويرى التقرير أن إثيوبيا أمام فرصة تاريخية للتحول من “مشكلة” في نظر النظام القديم إلى “شريك لا غنى عنه” في النظام الجديد، عبر بناء مؤسسات مشتركة وتقديم أجندة بحرية قائمة على الاستقرار والتكامل الاقتصادي، لا الصراع الصفري.
دعوة للتحول نحو الاستقرار المؤسسي
ويحذر التقرير الإثيوبي من مغبة استبدال الضغط المصري بالاعتماد المفرط على جهات خارجية.
ويوصي بأن تتبنى إثيوبيا نهجا دبلوماسيا هادئا يهدف إلى تحويل ثقلها الإقليمي إلى حضور مؤسسي معترف به، من خلال اتفاقيات قانونية ومنافع اقتصادية متبادلة.
وأكد أن التوازن المستقبلي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر سيعتمد على “القدرة على التكيف” مع الحقائق الجديدة، حيث لم تعد المنطقة قائمة على “مزاعم القيادة القديمة”، بل على مصالح استراتيجية وتشابكات اقتصادية وشراكات عابرة للحدود.












