طهران وموسكو تسرعان تنفيذ مشروعات استراتيجية في النقل والطاقة النووية وسط العقوبات الغربية وتغيرات التجارة العالمية
موسكو- المنشر الإخباري
تواصل إيران وروسيا توسيع شراكتهما الاقتصادية والاستراتيجية عبر تسريع العمل في مشروع “ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب” (INSTC)، إلى جانب المضي قدمًا في تنفيذ مشروعات نووية ضخمة، أبرزها محطة هرمزغان النووية الجديدة التي تبلغ قيمتها 25 مليار دولار، في خطوة تعكس عمق التعاون بين البلدين رغم العقوبات الغربية المفروضة عليهما.
وأكد السفير الإيراني لدى روسيا كاظم جلالي أن العلاقات الاقتصادية والفنية بين طهران وموسكو تشهد مرحلة جديدة من التوسع، تشمل قطاعات النقل والطاقة والغاز والتكنولوجيا النووية والأدوية الإشعاعية، وذلك خلال مشاركته في مؤتمر علمي افتراضي بعنوان “التعاون الروسي الإيراني في عالم متغير” استضافته العاصمة الروسية موسكو.
ممر استراتيجي لتغيير خريطة التجارة
وأوضح جلالي أن ممر الشمال–الجنوب بات يمثل أحد أهم المشاريع الاقتصادية المشتركة بين البلدين، خاصة في ظل التحديات التي تواجه طرق التجارة العالمية والممرات البحرية التقليدية.
ويهدف المشروع إلى ربط روسيا وشمال أوروبا بالمحيط الهندي وجنوب آسيا عبر الأراضي الإيرانية، بما يوفر مسارًا بديلًا وأكثر سرعة لنقل البضائع بين آسيا وأوروبا.
وأشار السفير الإيراني إلى أن الفرع الشرقي من الممر يشهد حاليًا عبور أكثر من 3 ملايين طن من البضائع سنويًا، بينما تصل طاقته الاستيعابية إلى 15 مليون طن. كما تعامل المسار الأوسط عبر بحر قزوين مع نحو 10 ملايين طن من الشحنات، مع إمكانية رفع قدرته إلى 14 مليون طن خلال السنوات المقبلة.
أما الفرع الغربي الذي يمر عبر أذربيجان، فقد تجاوزت حركة البضائع فيه 3 ملايين طن، إلا أن استكمال خط السكك الحديدية بين مدينتي رشت وأستارا بطول 162 كيلومترًا يظل الحلقة الأهم لإنجاز المشروع بشكل كامل.
وكشف جلالي أن عمليات الاستحواذ على الأراضي اللازمة لتنفيذ هذا الجزء من المشروع قد انتهت بالفعل، وأنها ستُسلم قريبًا إلى الجانب الروسي لبدء أعمال التنفيذ.
الغاز الروسي يعبر إيران
وفي سياق متصل، أشار السفير الإيراني إلى أن التعاون الثنائي لا يقتصر على النقل فقط، بل يشمل أيضًا مشاريع استراتيجية في قطاع الطاقة، من بينها خطط لنقل الغاز الروسي عبر الأراضي الإيرانية إلى أسواق جديدة.
وأكد أن البلدين يعملان كذلك على توسيع حركة السلع الاستراتيجية نحو دول الاتحاد الأوراسي، بما يعزز مكانة إيران كمحور لوجستي مهم بين الشرق والغرب.
ويرى مراقبون أن هذه المشروعات تمنح طهران وموسكو أدوات إضافية لمواجهة الضغوط والعقوبات الغربية، عبر بناء شبكات تجارة وطاقة بديلة أقل اعتمادًا على الممرات التقليدية التي تهيمن عليها القوى الغربية.
مشروع نووي ضخم بقيمة 25 مليار دولار
وفي ملف الطاقة النووية السلمية، وصف جلالي التعاون النووي بين إيران وروسيا بأنه أحد أهم أركان العلاقات الثنائية.
وأوضح أن محطة بوشهر النووية تواصل العمل بشكل طبيعي، في حين تتقدم أعمال بناء الوحدتين الثانية والثالثة بالمحطة بدعم فني روسي.
وأشار إلى أن الخبراء والمهندسين الروس عادوا تدريجيًا إلى إيران للمشاركة في استكمال الأعمال الفنية الخاصة بالمشروع.
لكن المشروع الأبرز، بحسب جلالي، يتمثل في محطة هرمزغان النووية الجديدة جنوب إيران، والتي وصفها بأنها أكبر مشروع نووي في تاريخ البلاد.
وقال إن إيران وروسيا وقعتا خلال عام 2025 مذكرة تفاهم بقيمة 25 مليار دولار لتنفيذ المشروع بالتعاون مع شركة “روساتوم” الروسية، موضحًا أن المشروع يُنفذ من خلال القطاع الخاص الإيراني بالشراكة مع المؤسسة النووية الروسية.
تعاون في المحطات النووية الصغيرة
وكشف السفير الإيراني أيضًا عن وجود خطط مشتركة لتطوير محطات نووية صغيرة الحجم بالتعاون مع “روساتوم”، في إطار توجه البلدين نحو تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الاعتماد على التكنولوجيا النووية السلمية.
وأضاف أن العمل على هذه المشاريع قد يبدأ خلال الفترة المقبلة بعد الانتهاء من الدراسات الفنية اللازمة.
تقدم في الأدوية الإشعاعية
وفي المجال الطبي، أكد جلالي أن التعاون العلمي بين إيران وروسيا يشهد نموًا متسارعًا، خاصة في مجال الأدوية الإشعاعية والتكنولوجيا النووية الطبية.
وأوضح أن إيران تنتج حاليًا نحو 70 نوعًا من الأدوية المشعة المستخدمة في تشخيص وعلاج الأمراض المختلفة، مشيرًا إلى أن بلاده أصبحت خلال عام 2025 ضمن أكبر ثلاثة منتجين لهذه الأدوية على مستوى العالم.
وأضاف أن هذا التقدم يعكس الطبيعة السلمية للبرنامج النووي الإيراني، ويبرز حجم الاستثمارات التي ضختها طهران في مجالات البحث العلمي والتكنولوجيا الطبية خلال السنوات الماضية.
شراكة تتحدى العقوبات
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه البلدان ضغوطًا وعقوبات غربية متزايدة، ما دفعهما إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتقني في مختلف المجالات.
ويرى خبراء أن التوسع في مشاريع النقل والطاقة النووية بين إيران وروسيا لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل يحمل أبعادًا جيوسياسية مهمة، إذ يهدف إلى بناء شبكات بديلة للتجارة والطاقة خارج النفوذ الغربي، وتعزيز مكانة البلدين في النظام الاقتصادي الدولي المتغير.
كما يعكس تسريع تنفيذ ممر الشمال–الجنوب والمشروعات النووية الكبرى رغبة مشتركة لدى موسكو وطهران في تحويل التعاون الثنائي إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد، قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية التي تفرضها البيئة الدولية الحالية.










