البابا ليو يرفض تبريرات واشنطن وتل أبيب للحرب على إيران ويؤكد أن أسلحة العصر الحديث جعلت مفهوم “الحرب العادلة” خارج الزمن
روما- المنشر_الاخباري
صعّد البابا ليو الرابع عشر من انتقاداته للحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، معتبراً أن ما جرى لا يمكن تصنيفه ضمن مفهوم “الحرب العادلة”، في موقف يفتح فصلاً جديداً من التوتر السياسي بين الفاتيكان وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وجاءت تصريحات البابا خلال رحلة جوية من روما إلى مدريد، عندما سأله صحفيون عن مدى انطباق نظرية “الحرب العادلة” على العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، خاصة بعد استناد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى هذه النظرية لتبرير الحرب.
ورد البابا بشكل حاسم قائلاً: “لا توجد حرب عادلة في هذه الحالة”، مضيفاً أن نظرية الحرب العادلة تعود إلى قرون مضت عندما لم يكن البشر قادرين على تخيل حجم الدمار والأسلحة الموجودة في العصر الحديث.
وأكد أن التطورات العسكرية والتكنولوجية الهائلة جعلت المفاهيم التقليدية المرتبطة بالحروب بحاجة إلى مراجعة جذرية، لأن القدرة التدميرية الحالية تتجاوز بكثير الظروف التي وُلدت فيها تلك النظريات الفلسفية والدينية.
مواجهة متصاعدة مع ترامب
وتأتي تصريحات البابا في سياق خلاف متصاعد مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الحرب على إيران. فمنذ اندلاع المواجهة العسكرية، دعا الفاتيكان مراراً إلى وقف العمليات العسكرية واحتواء التصعيد، محذراً من أن لغة التهديد والتصعيد قد تدفع المنطقة والعالم نحو مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
وكان البابا قد انتقد في وقت سابق تصريحات لترامب حذر فيها من أنه “لن تبقى حضارة في إيران”، واصفاً تلك التصريحات بأنها غير مقبولة وتتنافى مع المبادئ الإنسانية والأخلاقية التي ينبغي أن تحكم العلاقات الدولية.
ورد ترامب آنذاك بانتقادات حادة للبابا، معتبراً أنه “ضعيف وسيئ في السياسة الخارجية”، وهو ما أثار ردود فعل واسعة داخل إيطاليا والأوساط الكاثوليكية الأوروبية.
دعم سياسي أوروبي للفاتيكان
وأثارت تصريحات ترامب بحق البابا استياءً في عدد من العواصم الأوروبية، حيث اعتبر مسؤولون وسياسيون أن مهاجمة رأس الكنيسة الكاثوليكية تمثل تجاوزاً للأعراف الدبلوماسية.
وفي هذا السياق، وصفت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تصريحات ترامب بأنها “غير مقبولة”، مؤكدة احترام إيطاليا للدور الأخلاقي والإنساني الذي يقوم به الفاتيكان في القضايا الدولية.
كما تلقى البابا دعماً من شخصيات سياسية أوروبية اعتبرت أن موقفه المناهض للحرب ينسجم مع تقاليد الكنيسة الكاثوليكية الداعية إلى الحوار وتجنب النزاعات المسلحة.
الفاتيكان يتمسك بموقفه
ورغم الانتقادات الأميركية، أبدى البابا ليو تمسكاً بمواقفه، مؤكداً أنه لن يتراجع عن الدعوة إلى السلام ورفض الحروب مهما كانت الضغوط السياسية.
وقال إن الكنيسة ستواصل رفع صوتها ضد العنف والدمار، مشيراً إلى أن مسؤولية القادة الدينيين لا تقتصر على القضايا الروحية فقط، بل تشمل أيضاً الدفاع عن الحياة البشرية ورفض النزاعات التي تؤدي إلى سقوط الضحايا وتفاقم الأزمات الإنسانية.
ويرى مراقبون أن تصريحات البابا تعكس توجهاً متزايداً داخل الفاتيكان لمعارضة استخدام القوة العسكرية كأداة رئيسية لحل الأزمات الدولية، خاصة في ظل تنامي المخاوف من اتساع دائرة الصراعات في الشرق الأوسط.
جدل حول مفهوم “الحرب العادلة”
وأعاد موقف البابا إحياء النقاش حول نظرية “الحرب العادلة”، وهي عقيدة فلسفية ودينية تعود إلى قرون طويلة وتحدد الشروط التي يمكن بموجبها تبرير اللجوء إلى الحرب.
لكن البابا رأى أن هذه النظرية لم تعد قادرة على استيعاب طبيعة الحروب الحديثة التي تعتمد على أسلحة متطورة قادرة على إحداث دمار واسع النطاق خلال وقت قصير.
ويعتبر خبراء في القانون الدولي أن الانتقادات التي وجهها البابا تعكس اتجاهاً عالمياً متنامياً يدعو إلى إعادة تقييم المفاهيم التقليدية المرتبطة باستخدام القوة العسكرية، خصوصاً بعد التطورات الكبيرة في قدرات الجيوش والتكنولوجيا العسكرية.
تداعيات سياسية أوسع
وتكتسب تصريحات البابا أهمية خاصة لأنها تصدر في مرحلة تشهد انقسامات دولية واسعة حول تداعيات الحرب على إيران، ومستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط، وتأثير الصراع على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
ويرى محللون أن دخول الفاتيكان بقوة على خط الجدل السياسي يمنح المعسكر الرافض للحرب زخماً معنوياً إضافياً، خاصة في أوروبا وأمريكا اللاتينية، حيث يتمتع البابا بتأثير واسع على الرأي العام.
كما قد تسهم هذه المواقف في زيادة الضغوط السياسية على إدارة ترامب التي تواجه انتقادات داخلية وخارجية بسبب تداعيات الحرب ونتائجها الاستراتيجية.
وفي ظل استمرار التوتر بين واشنطن والفاتيكان، يبدو أن تصريحات البابا ليو فتحت جبهة سياسية وأخلاقية جديدة حول شرعية الحرب على إيران، في وقت لا تزال فيه المنطقة تبحث عن مخرج من واحدة من أكثر الأزمات الدولية تعقيداً خلال السنوات الأخيرة.










