مذكرات الأمين العام السابق لحلف الناتو تفضح تفاصيل حساسة عن إدارة الحلف خلال سنوات صعود ترامب، وانهيار أفغانستان، والحرب الروسية الأوكرانية، كاشفةً حدود القوة الغربية في إدارة الأزمات الكبرى.
بروكسل – المنشر الإخبارى
كشفت مذكرات الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي NATO ينس ستولتنبرغ، الصادرة عام 2025 بعنوان “في عهدي: قيادة الناتو في زمن الحرب”، عن كواليس غير معلنة داخل واحدة من أهم المؤسسات العسكرية والسياسية في العالم، مسلطة الضوء على طبيعة صنع القرار داخل الحلف، والخلافات العميقة بين أعضائه، والدور الحاسم للولايات المتحدة في تماسكه.
وتقدّم المذكرات قراءة داخلية لسنوات شهدت تحولات كبرى، أبرزها صعود دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، والحرب في أفغانستان، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وهي ملفات يصفها ستولتنبرغ بأنها اختبرت الناتو إلى أقصى حد.
ترامب والناتو: علاقة صدامية تهدد التماسك
يروي ستولتنبرغ تفاصيل واسعة عن العلاقة مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ، والتي اتسمت بالتوتر منذ اليوم الأول تقريباً، بسبب إصرار ترامب على تحميل الحلفاء الأوروبيين مسؤولية أكبر في تمويل الدفاع المشترك.
ويشير إلى أن ترامب حوّل قضية “إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي” إلى محور دائم في الاجتماعات، حيث كان يوجّه انتقادات علنية للدول التي لا تلتزم بالهدف المتفق عليه، ما خلق حالة ضغط سياسي غير مسبوقة داخل قمم الناتو.
وتكشف المذكرات أن هذا النهج لم يكن مجرد خلاف دبلوماسي، بل شكل تهديداً ضمنياً متكرراً لوحدة الحلف، خصوصاً مع تكرار تصريحات ترامب التي شككت في جدوى استمرار الالتزام الأمريكي غير المشروط بالدفاع عن الحلفاء.
وفي المقابل، يرى ستولتنبرغ أن هذا الضغط، رغم حدّته، ساهم في تسريع زيادة الإنفاق الدفاعي لدى عدد من الدول الأوروبية.
الناتو تحت اختبار القيادة الأمريكية
توضح المذكرات أن إدارة الحلف عملياً لا يمكن فصلها عن الموقف الأمريكي، إذ تعتبر الولايات المتحدة العمود الفقري العسكري والسياسي للناتو.
ويصف ستولتنبرغ مهمته خلال تلك الفترة بأنها لم تكن فقط إدارة التوازن بين الدول الأعضاء، بل أيضاً “احتواء البيت الأبيض” وتجنب أي انقسام بين واشنطن وبقية الحلفاء، وهو ما كان يُنظر إليه كخطر وجودي على التحالف.
أفغانستان: أطول حرب تنتهي بانهيار سريع
في ملف الحرب في أفغانستان War in Afghanistan، تعترف المذكرات بأن تجربة الناتو في بناء دولة مستقرة كانت أكثر تعقيداً مما تم تقديره في البداية.
وتشير إلى أن الحلف استثمر عقدين من الزمن في تدريب القوات الأفغانية وبناء المؤسسات، لكن عوامل مثل الفساد، وضعف البنية السياسية، والاعتماد على الدعم الخارجي، جعلت هذه الجهود غير كافية.
ومع انسحاب القوات الأمريكية، انهارت الحكومة الأفغانية بشكل سريع، وهو ما اعتبره ستولتنبرغ دليلاً على حدود قدرة الناتو على “تصدير الاستقرار” إلى خارج مناطقه التقليدية.
أوكرانيا: دعم كبير دون تجاوز خط الحرب المباشرة
في ما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية Russia–Ukraine War، تكشف المذكرات عن استراتيجية واضحة تبناها الناتو: دعم أوكرانيا عسكرياً ومالياً بشكل واسع، مع تجنب الانخراط المباشر في مواجهة مع روسيا.
ويشرح ستولتنبرغ أن هذا التوازن الدقيق فرض قيوداً على نوعية وكميات الأسلحة المقدمة، بسبب الخشية من توسع الحرب إلى صدام مباشر بين الناتو وموسكو.
كما تكشف المذكرات انقسامات داخلية بين دول الحلف حول توسع الناتو شرقاً، بين من يراه ضرورة أمنية، ومن يعتبره عاملاً قد يزيد من حدة التوتر مع روسيا.
آلية الناتو: تحالف بلا جيش واحد
تقدم المذكرات أيضاً شرحاً لآلية عمل الناتو، موضحة أنه لا يمتلك جيشاً موحداً، بل يعتمد على جيوش الدول الأعضاء التي تعمل ضمن هيكل قيادة مشترك عند الأزمات.
وتؤكد أن اتخاذ القرار داخل الحلف يقوم على الإجماع، ما يجعل التوافق السياسي شرطاً أساسياً لأي تحرك، ويمنح الدبلوماسية وزناً لا يقل عن القوة العسكرية.
خلاصة: قوة الردع وحدود النفوذ
تنتهي المذكرات إلى خلاصة مركزية مفادها أن الناتو نجح في الحفاظ على الردع الجماعي والدفاع عن أعضائه، لكنه يواجه حدوداً واضحة عندما يتعلق الأمر بالحروب الطويلة أو محاولات تغيير الأنظمة وبناء الدول من الخارج.
وتشير إلى أن تجربة أفغانستان أثبتت صعوبة “إعادة بناء الدول بالقوة”، بينما أظهرت حرب أوكرانيا أن دعم الحلفاء لا يعني بالضرورة الانخراط في حرب مباشرة، ما يضع الناتو أمام معادلة دقيقة بين الدعم وتجنب التصعيد.
وتخلص المذكرات إلى أن مستقبل الحلف يبقى مرتبطاً بشكل وثيق بالعلاقة عبر الأطلسي، وبقدرة قادته على إدارة التوازن الدائم بين المصالح الأمريكية والأوروبية، في عالم يزداد تعقيداً واستقطاباً.










