عاد ملف المقاتلين الأجانب في سوريا ليتصدر واجهة المشهد الأمني، مع اندلاع موجة جديدة من التوترات في محافظة إدلب ومحيطها، وذلك على خلفية رفض مجموعة من المقاتلين الأوزبك الاندماج في صفوف الجيش السوري الجديد ، وسط تحذيرات بانقلاب المقاتلين على سلطة أحمد الشرع أو الانضمام لجماعات جهادية ضد دمشق.
موقف المقاتلين الأوزبك لم يعد مجرد حادثة معزولة، بل يعكس تصاعد حالة من الريبة داخل التشكيلات الأجنبية التي وجدت نفسها أمام خيارات معقدة، تتراوح بين الانخراط القسري في الهياكل الرسمية أو مواجهة مصير غامض يكتنفه شبح العزلة والملاحقة القانونية.
فجوة الثقة وتحدي السيطرة
تضع أزمة المقاتلين الأوزبك تحديات إضافية أمام السلطات السورية التي تسعى جاهدة لتعزيز السيطرة المركزية وحصر السلاح بيد الدولة.، فمشروع دمج الفصائل الأجنبية في مؤسسات الدولة يواجه “فجوة ثقة” عميقة؛ حيث تشير التقارير إلى أن المقاتلين الأوزبك، الذين يقدر عددهم بنحو 1500 مقاتل برفقة عائلاتهم، يشعرون بأن عملية الدمج تفرض عليهم عبر أدوات ضغط، كالتهديد بالاعتقال أو الترحيل.
وفقا لمراقبين، قد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ تعزز مشاعر التهميش وتدفع هذه المجموعات إلى رفض الانخراط في منظومات جهادية جديدة، مما يهدد بنسف مساعي إعادة الهيكلة العسكرية.
وتراقب مجموعات أخرى من جنسيات مختلفة شريكة في المصير مسار التعامل مع ملف “الأوزبك” باعتباره مؤشرا حاسما لمستقبلها، وفي حال شهدت عمليات الدمج انسحابات جماعية، فإن ذلك لا يضعف فرص نجاح خطط الدولة فحسب، بل يثير تساؤلات جدية حول قدرة السلطات على استيعاب هذه الفئات ضمن أطر مؤسساتية مستقرة.
المشهد الميداني: توترات إدلب
لم تكن واقعة الأوزبك هي الأولى؛ فقد شهد ريف إدلب الشمالي توترا أمنيا ملحوظا، حيث أرسل الجيش السوري أرتالا عسكرية كبيرة باتجاه مدينة إدلب ومحيطها، تزامنا مع اشتباكات متقطعة قرب بلدة الفوعة. ويأتي هذا التصعيد في سياق يذكر بالتوترات التي سبقت أحداثا مماثلة في أكتوبر الماضي، حين ارتبط التوتر بمخيم كان يقوده المقاتل الفرنسي عمر ديابي (عمر أومسين) قرب الحدود التركية.
هذا المشهد الميداني المتفجر يتزامن مع سلسلة من الاغتيالات التي تستهدف قادة أجانب باتوا يشغلون مناصب داخل مؤسسات الدولة السورية. فمطلع العام الحالي، اغتيل القيادي التونسي “أبو الأشبال” على طريق كفرتخاريم – أرمناز، كما قتل قيادي سابق من أصل شيشاني كان يعمل في صفوف وزارة الدفاع السورية. هذه الاغتيالات، التي تعزى أحيانا لصراعات بينية أو عمليات استخباراتية أجنبية، تزيد من تعقيد المشهد الأمني وتضع المقاتلين الأجانب في دائرة الاستهداف الدائم.
معضلة الاندماج وتهديد “الشبكات المنفصلة”
سعت الحكومة السورية منذ سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024 إلى إضفاء الطابع الرسمي على وضع المقاتلين الأجانب، ووصل بعضهم إلى مناصب رفيعة؛ كقيادة الحرس الجمهوري، أو إدارة الصندوق السيادي. ورغم ذلك، يظل مصير آلاف المقاتلين الآخرين غامضا؛ إذ لا يمتلك جزء كبير منهم وضعا قانونيا مستقرا، بينما يخشى آخرون الترحيل إلى بلدانهم الأصلية حيث يواجهون ملاحقات قضائية.
ويحذر خبراء من أن فشل عمليات الدمج قد يؤدي إلى ظهور “شبكات منفصلة” تحتفظ بولاءات خاصة وتعمل خارج سيطرة الدولة، مما يعرقل جهود توحيد القرار العسكري. إن بقاء هؤلاء المقاتلين في حالة “لا سلم ولا حرب” مع السلطات الجديدة يخلق بيئة خصبة للانقسامات، ويجعل من إدلب ومحيطها بؤرة توتر مستمرة قد تعيد خلط الأوراق الأمنية في الشمال السوري مجددا.










