سيول -المنشر الإخباري
في سابقة هي الأولى منذ عقدين، سيول ترشح هان سيونغ-سوك لرئاسة الوزراء، في خطوة تجمع بين إعادة تشكيل التوازنات السياسية الداخلية ورهان اقتصادي واسع على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بينما تتصاعد الاحتجاجات حول نزاهة الانتخابات المحلية
في تحول سياسي لافت يعكس ملامح مرحلة جديدة في كوريا الجنوبية، أعلن القصر الرئاسي في سيول، اليوم الأحد، أن الرئيس لي جاي ميونغ اختار وزيرة الشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة هان سيونغ-سوك لتولي منصب رئيس الوزراء، لتصبح بذلك أول امرأة تُرشح لهذا المنصب منذ نحو 20 عاماً، في انتظار مصادقة البرلمان.
ويأتي هذا الترشيح في سياق سياسي واقتصادي حساس، حيث تسعى الحكومة الكورية إلى إعادة صياغة أولوياتها التنموية، عبر التركيز على الابتكار التكنولوجي والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، وهي قطاعات باتت تشكل العمود الفقري للاقتصاد الكوري الجنوبي ومصدر قوته التصديرية عالمياً.
وقال رئيس مكتب السكرتارية الرئاسي كانغ هون-سيك إن اختيار هان يعكس رؤية الرئيس في الدفع نحو “نمو اقتصادي شامل” لا يقتصر على الشركات الكبرى، بل يمتد ليشمل الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل شريحة واسعة من الاقتصاد المحلي، مشيراً إلى أن المرشحة تمتلك خبرة تنفيذية واسعة بحكم إدارتها السابقة لشركة “نيفر” العملاقة للإنترنت.
ويُنظر إلى هان سيونغ-سوك داخل الأوساط الاقتصادية الكورية بوصفها واحدة من أبرز الوجوه المرتبطة بالتحول الرقمي في البلاد، ما يجعل ترشيحها إشارة سياسية واضحة نحو تعميق دمج التكنولوجيا في إدارة الدولة، وليس فقط في القطاع الخاص.
أبعاد سياسية تتجاوز التعيين الحكومي
ورغم أن منصب رئيس الوزراء في كوريا الجنوبية يُعد تقليدياً ذا طابع إداري أكثر منه تنفيذياً، نظراً لتمركز السلطة بيد الرئيس، إلا أن التعيين الجديد يحمل دلالات سياسية مهمة، خصوصاً في ظل تصاعد الجدل الداخلي حول إدارة العملية الديمقراطية والانتخابات المحلية الأخيرة.
فقد شهدت البلاد خلال الأيام الماضية احتجاجات في العاصمة سيول، حيث تجمع آلاف المواطنين اعتراضاً على ما اعتبروه خللاً في تنظيم الاقتراع، بعد تسجيل نقص في أوراق التصويت في عدد من المراكز، وهو ما أدى إلى فتح نقاش سياسي واسع حول كفاءة المؤسسات الانتخابية وشفافيتها، وانتهى باستقالة رئيس اللجنة الوطنية للانتخابات.
وفي موازاة ذلك، أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة فوزاً واسعاً للحزب الديمقراطي الحاكم في معظم البلديات والأقاليم، مقابل خسائر رمزية في العاصمة سيول لصالح المعارضة المحافظة، ما أعاد رسم جزء من التوازن السياسي الداخلي وأثار جدلاً حول مستقبل المشهد الحزبي.
رهان اقتصادي على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
على المستوى الاقتصادي، يعكس اختيار هان سيونغ-سوك توجهاً واضحاً لدى الإدارة الكورية نحو تعزيز موقع البلاد في سباق التكنولوجيا العالمي، خاصة في ظل المنافسة المتسارعة بين القوى الكبرى في مجالات الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية وسلاسل التوريد التقنية.
وتسعى الحكومة إلى تحويل الطفرة في صادرات أشباه الموصلات إلى نمو أكثر شمولاً، بحيث لا يقتصر على الشركات العملاقة، بل يمتد إلى الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة، في محاولة لتقليل الفجوة الاقتصادية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
وتراهن سيول على خبرة المرشحة الجديدة في قطاع التكنولوجيا، خاصة تجربتها في قيادة شركة “نيفر”، إحدى أكبر شركات الإنترنت في آسيا، وهو ما يجعلها في موقع مناسب لقيادة التحول الرقمي الحكومي وتطوير البنية الاقتصادية القائمة على الابتكار.
اختبار سياسي لمرحلة ما بعد الانتخابات
يأتي هذا التطور في وقت حساس تمر فيه كوريا الجنوبية بمرحلة إعادة ترتيب داخلية، سواء على مستوى الثقة بالمؤسسات الانتخابية أو على مستوى التوازن بين الحزب الحاكم والمعارضة، في ظل استقطاب سياسي متزايد.
كما يضع ترشيح هان سيونغ-سوك الحكومة أمام اختبار مزدوج: إدارة الملفات الاقتصادية المعقدة من جهة، واحتواء التوترات السياسية الداخلية من جهة أخرى، خصوصاً مع تصاعد مطالب إصلاح النظام الانتخابي وتعزيز الشفافية.
وفي ظل هذه المعطيات، يُنظر إلى هذا التعيين ليس فقط كخطوة إدارية، بل كإشارة إلى توجه استراتيجي أوسع في كوريا الجنوبية نحو إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة، ضمن بيئة إقليمية ودولية شديدة التنافس.











