خبير روسي في العلاقات الدولية يرى أن المواجهة الأخيرة بين طهران وواشنطن كشفت حدود القوة الأميركية في الشرق الأوسط، وعززت مسار التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب.
موسكو- المنشر_الاخباري الإخباري
اعتبر رئيس المجلس الروسي للشؤون الدولية، دميتري ترينين، أن إيران نجحت في إيقاف ما وصفه بمحاولة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعادة ترسيخ الهيمنة الأميركية على النظام الدولي، مؤكداً أن نتائج المواجهة الأخيرة بين طهران وواشنطن أحدثت تحولاً مهماً في موازين القوى الإقليمية والدولية.
وقال ترينين إن الحرب الأخيرة لم تقتصر تداعياتها على البعد العسكري، بل حملت أبعاداً سياسية واستراتيجية أوسع، مشيراً إلى أنها كشفت حدود القدرة الأميركية على فرض إرادتها في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية.
وأوضح أن ما بدا خلال السنوات الماضية وكأنه توجه أميركي لاستعادة النفوذ العالمي واجه تحدياً حقيقياً مع صمود إيران وقدرتها على الحفاظ على تماسكها السياسي والعسكري، رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الكبيرة التي تعرضت لها.
وأضاف أن نتائج المواجهة الأخيرة وجهت ضربة لفكرة الهيمنة الأميركية المطلقة، وساهمت في تسريع التحولات الجارية نحو نظام دولي أكثر تعددية، تتقاسم فيه عدة قوى دولية وإقليمية النفوذ والتأثير.
ورأى الخبير الروسي أن النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط تلقى انتكاسة واضحة خلال الأزمة، لافتاً إلى أن دول الخليج التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية بدأت تدرك أن تلك القواعد قد تتحول في أي مواجهة مستقبلية إلى أهداف مباشرة، وهو ما يدفعها إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية.
وأشار إلى أن العديد من دول المنطقة باتت أكثر ميلاً لتنويع شراكاتها الأمنية والسياسية، بدلاً من الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية كما كان الحال خلال العقود الماضية.
وفي تقييمه لتداعيات الحرب على إسرائيل، قال ترينين إن تل أبيب وجدت نفسها أمام واقع سياسي أكثر تعقيداً بعد انتهاء المواجهة، مشيراً إلى أن الاتفاق الذي أنهى الأزمة أثار تساؤلات داخل الأوساط الإسرائيلية بشأن حدود الدعم الأميركي وإمكانية الاعتماد عليه مستقبلاً بالشكل ذاته.
وأضاف أن حالة من الإحباط والقلق بدأت تتشكل داخل بعض الدوائر السياسية الإسرائيلية، خاصة مع تصاعد الخلافات حول إدارة الملفات الإقليمية ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
وعلى الصعيد الأوروبي، أشار ترينين إلى أن الأزمة أعادت إحياء النقاشات المتعلقة بالاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، موضحاً أن عدداً من العواصم الأوروبية بات ينظر بجدية أكبر إلى ضرورة امتلاك سياسة أمنية ودفاعية أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة.
وأكد أن هذا التوجه لا يزال في بداياته، لكنه يعكس إدراكاً متزايداً داخل أوروبا بأن النظام الدولي يشهد تغيرات متسارعة قد تفرض إعادة النظر في التحالفات التقليدية.
وفي ما يتعلق بإيران، رأى المحلل الروسي أن طهران خرجت من الحرب وهي تمتلك أوراق قوة إضافية، رغم الخسائر التي تكبدتها، موضحاً أن تماسك مؤسسات الدولة واستمرار التنسيق بين القيادة السياسية والعسكرية عززا من قدرتها على إدارة الأزمة.
كما أشار إلى أن إيران نجحت في استخدام أدوات الردع غير التقليدية بكفاءة، سواء عبر قدراتها الصاروخية أو من خلال تأثيرها على الممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي يشكل شرياناً رئيسياً لتجارة الطاقة العالمية.
وأضاف أن قدرة طهران على التأثير في أمن الملاحة البحرية أصبحت عاملاً أساسياً في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى، وهو ما يمنحها ثقلاً إضافياً في أي ترتيبات أمنية أو سياسية تخص المنطقة.
ولفت ترينين إلى أن التطورات الأخيرة عززت كذلك من مكانة القوى الدولية الصاعدة، مثل روسيا والصين ودول مجموعة “بريكس”، التي تسعى إلى بناء توازنات دولية جديدة تقلل من هيمنة القطب الواحد.
وأكد أن العالم يتجه تدريجياً نحو مرحلة أكثر تعددية، حيث ستتوزع مراكز القوة والنفوذ بين عدد أكبر من الدول والتحالفات الدولية، بدلاً من تمركزها في يد قوة واحدة.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن تراجع النفوذ الأميركي، إن حدث، لن يكون سريعاً أو مفاجئاً، بل سيجري بصورة تدريجية على مدى سنوات طويلة، لكنه اعتبر أن الحرب الأخيرة تمثل إحدى المحطات المهمة التي تعكس التحولات الجارية في بنية النظام الدولي وموازين القوى العالمية.










