إسلام آباد- المنشر_الاخباري
في واحدة من أكثر الوساطات الدبلوماسية تعقيدًا في السنوات الأخيرة، برز اسم باكستان كوسيط غير متوقع في مسار التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط صراع كاد أن يتطور إلى مواجهة عسكرية مفتوحة هددت استقرار الشرق الأوسط وأمن الطاقة العالمي.
وبحسب مصادر سياسية مطلعة على كواليس المفاوضات، فإن التحرك الباكستاني لم يكن مجرد مبادرة دبلوماسية تقليدية، بل جاء نتيجة تداخل أمني واقتصادي وإقليمي دفع إسلام آباد إلى الانخراط بثقلها في عملية شديدة الحساسية، كان عنوانها الأبرز: “إدارة أزمة على حافة الانفجار”.
وساطة في لحظة انهيار القنوات التقليدية
مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، وتراجع قدرة الوسطاء التقليديين على لعب دور فاعل، وجدت الأطراف الدولية نفسها أمام فراغ دبلوماسي خطير. هنا، برزت باكستان مدفوعة بعلاقاتها المتوازنة مع الجانبين، وقدرتها على التواصل الأمني والسياسي مع إيران من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى.
المصادر تشير إلى أن إسلام آباد تحركت عبر قنوات متعددة، شملت الدبلوماسية الرسمية، والاستخبارات، والاتصالات العسكرية غير المعلنة، بهدف بناء أرضية مشتركة لوقف التصعيد وفتح مسار تفاوضي مباشر.
الجنرال عاصم منير… اتصالات بلا توقف
في قلب هذه التحركات، لعب قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير دورًا محوريًا، وفق ما وصفه دبلوماسيون مشاركون في الوساطة بأنه “رجل لم ينم لأيام طويلة”.
وتشير المعلومات إلى أن منير قاد سلسلة اتصالات مكثفة مع أطراف إيرانية رفيعة، شملت قيادات أمنية وسياسية، في محاولة لاحتواء التصعيد وتفكيك نقاط الخلاف، خصوصًا تلك المتعلقة بالأمن الإقليمي والممرات البحرية.
كما تولى جهاز الاستخبارات الباكستاني التنسيق غير المباشر مع الجانب الأمريكي، في وقت كانت فيه الثقة بين الطرفين في أدنى مستوياتها منذ سنوات.
رسائل بين العواصم… ودور خليجي مكمّل
لم تقتصر الوساطة على الخط الباكستاني-الإيراني-الأمريكي، بل توسعت لتشمل أطرافًا إقليمية، خصوصًا قطر وعدد من الدول الخليجية، التي لعبت دور “المسهل السياسي” لتمرير الرسائل وتخفيف حدة التوتر.
ووفق المصادر، فقد ساهم هذا التنسيق في بلورة مذكرة تفاهم أولية، مهدت لإطلاق مسار تفاوضي أوسع، ركّز على وقف التصعيد العسكري وتأمين الملاحة في الممرات الحيوية.
دوافع تتجاوز السياسة
يرى محللون أن دخول باكستان على خط الوساطة لم يكن قرارًا سياسيًا بحتًا، بل جاء نتيجة ضغوط اقتصادية وأمنية متراكمة، أبرزها تهديد اضطرابات الطاقة العالمية وتأثيرها المباشر على الاقتصاد الباكستاني، إضافة إلى حساسية الحدود مع إيران وتعقيدات الداخل الباكستاني الطائفي.
هذه العوامل دفعت إسلام آباد إلى تبني دور “الوسيط الضروري”، وليس مجرد المراقب للأزمة.
هل يتحول الدور إلى نفوذ دائم؟
رغم النجاح النسبي في جمع الأطراف حول طاولة تفاوض، لا يزال السؤال الأكبر مطروحًا: هل تستطيع باكستان تثبيت موقعها كوسيط إقليمي دائم، أم أن دورها سيظل مرتبطًا بظروف استثنائية؟
مصادر دبلوماسية ترى أن ما حدث قد يشكل “نقطة تحول” في الحضور الباكستاني خارج جنوب آسيا، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام تحديات كبيرة تتعلق بقدرتها على الاستمرار في إدارة أزمات بهذا الحجم.
في كل الأحوال، يبقى اسم “الجنرال الذي لم ينم” عنوانًا لمرحلة دبلوماسية معقدة، أعادت رسم خريطة الوساطة في واحدة من أكثر مناطق العالم اشتعالًا.









