الرئيس الروسي يعتبر الهجمات على المصافي والبنية التحتية محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي.. وكييف تراهن على استنزاف الاقتصاد الروسي وإرباك الجبهة الداخلية
موسكو – المنشر_الاخباري
شهدت الحرب الروسية الأوكرانية خلال الأشهر الأخيرة تحولات لافتة في طبيعة المواجهة، بعدما انتقلت الهجمات الأوكرانية من التركيز على خطوط القتال والجبهات العسكرية إلى استهداف منشآت حيوية داخل العمق الروسي، وفي مقدمتها مصافي النفط والبنية التحتية للطاقة. وفي هذا السياق، اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوكرانيا بالسعي إلى زعزعة استقرار المجتمع الروسي من خلال شن هجمات متكررة على أهداف مدنية واقتصادية داخل البلاد.
وجاءت تصريحات بوتين خلال كلمة ألقاها أمام خريجي المؤسسات العسكرية والأمنية الروسية، حيث اعتبر أن الهجمات الأوكرانية الأخيرة لا تستهدف تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة بقدر ما تهدف إلى خلق حالة من القلق وعدم اليقين داخل المجتمع الروسي. وقال إن استهداف البنية التحتية المدنية يمثل محاولة واضحة لإرباك الحياة اليومية للمواطنين الروس وإضعاف الثقة في قدرة الدولة على حماية منشآتها الحيوية.
تصاعد هجمات المسيّرات
تشير المعطيات الميدانية إلى أن أوكرانيا كثفت بشكل ملحوظ استخدام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى خلال عام 2026. واستهدفت هذه الهجمات عدداً من مصافي النفط ومستودعات الوقود ومحطات الطاقة في مناطق روسية مختلفة، بما في ذلك مواقع قريبة من العاصمة موسكو.
ويرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية تعكس تغيراً في العقيدة العسكرية الأوكرانية، إذ تسعى كييف إلى نقل كلفة الحرب إلى الداخل الروسي بعد أكثر من أربع سنوات من المواجهة المستمرة. فبدلاً من الاقتصار على الدفاع عن الأراضي الأوكرانية أو مهاجمة القوات الروسية على الجبهات التقليدية، باتت أوكرانيا تستهدف البنية الاقتصادية التي تساعد موسكو على تمويل عملياتها العسكرية.
وتقول السلطات الأوكرانية إن الهجمات على المصافي النفطية الروسية تهدف إلى تقليص الإيرادات المالية التي تعتمد عليها موسكو في تمويل الحرب، فضلاً عن التأثير على قطاع الطاقة الذي يشكل أحد أهم مصادر الدخل للاقتصاد الروسي.
تأثيرات اقتصادية متزايدة
بحسب تقارير اقتصادية، أدت الضربات الأوكرانية إلى تعطيل جزئي أو مؤقت لعدد من المصافي الروسية الكبرى، وهو ما انعكس على حركة توزيع الوقود داخل بعض المناطق الروسية. وشهدت عدة مدن طوابير طويلة أمام محطات الوقود، بالتزامن مع ارتفاع أسعار البنزين ومشتقات الطاقة في بعض الأقاليم.
ورغم أن الحكومة الروسية تؤكد قدرتها على احتواء التداعيات الاقتصادية، فإن تكرار الهجمات يفرض ضغوطاً متزايدة على قطاع الطاقة. كما أن الحاجة إلى إصلاح المنشآت المتضررة وتوفير أنظمة دفاع إضافية ترفع من كلفة الحرب على موسكو.
ويرى خبراء أن أوكرانيا تراهن على استنزاف الاقتصاد الروسي تدريجياً، خصوصاً أن الحرب دخلت مرحلة طويلة تتطلب موارد مالية وعسكرية ضخمة للحفاظ على العمليات القتالية.
بوتين: الغرب شريك في الهجمات
في خطابه، لم يكتف بوتين بتحميل أوكرانيا مسؤولية هذه العمليات، بل وجه اتهامات مباشرة إلى الدول الغربية الداعمة لكييف. وقال إن الدعم العسكري والتقني والاستخباراتي الذي تقدمه الدول الغربية لأوكرانيا هو الذي يسمح بتنفيذ هذا النوع من الهجمات بعيدة المدى.
وأشار الرئيس الروسي إلى أن الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة لا يمكن فصله عن المساعدات الغربية، معتبراً أن الهدف النهائي يتمثل في خلق حالة من عدم الاستقرار داخل روسيا وإضعاف الروح المعنوية للمجتمع الروسي.
وتؤكد موسكو منذ فترة أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي أصبحا طرفاً غير مباشر في الحرب من خلال تزويد أوكرانيا بالتقنيات والأسلحة والمعلومات الاستخباراتية اللازمة لتنفيذ العمليات العسكرية.
كييف تنفي استهداف المدنيين
في المقابل، تنفي أوكرانيا استهداف المدنيين بشكل مباشر، وتؤكد أن جميع عملياتها تركز على منشآت تعتبرها مرتبطة بالمجهود الحربي الروسي. وترى كييف أن مصافي النفط ومستودعات الوقود ومراكز النقل والإمداد تشكل أهدافاً عسكرية مشروعة لأنها توفر الدعم اللوجستي والمالي للجيش الروسي.
ويقول مسؤولون أوكرانيون إن نقل المعركة إلى العمق الروسي يهدف أيضاً إلى إيصال رسالة مفادها أن المواطنين الروس لن يكونوا بمنأى عن تداعيات الحرب طالما استمرت العمليات العسكرية الروسية داخل الأراضي الأوكرانية.
كما تعتبر كييف أن استهداف البنية النفطية الروسية يمثل أحد أكثر الوسائل فعالية للضغط على موسكو، خصوصاً في ظل العقوبات الغربية ومحاولات الحد من العائدات الروسية من صادرات الطاقة.
معركة دونيتسك مستمرة
بالتوازي مع تبادل الهجمات بعيدة المدى، تواصل القوات الروسية عملياتها البرية في شرق أوكرانيا، حيث أعلن بوتين أن الجيش الروسي يقترب من السيطرة على مدينة كوستيانتينيفكا الواقعة في منطقة دونيتسك.
وتعد المدينة جزءاً من ما يعرف بـ”حزام الحصون” الأوكراني في شرق البلاد، وهو خط دفاعي يضم عدداً من المدن والمواقع المحصنة التي تعتمد عليها كييف لإبطاء التقدم الروسي.
ويرى محللون أن السيطرة على هذه المنطقة ستمنح موسكو أفضلية ميدانية مهمة، كما ستعزز موقفها التفاوضي في حال استئناف أي محادثات سياسية مستقبلية.
الحرب تدخل مرحلة جديدة
تؤكد التطورات الأخيرة أن الحرب الروسية الأوكرانية دخلت مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة. فالمواجهة لم تعد مقتصرة على الجبهات العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى البنية الاقتصادية والطاقة والعمق الاستراتيجي للطرفين.
وبينما تسعى روسيا إلى تحقيق مكاسب ميدانية جديدة في شرق أوكرانيا، تواصل كييف الاعتماد على حرب المسيّرات والضربات الدقيقة لاستنزاف القدرات الاقتصادية الروسية وإظهار أن الحرب باتت تمس الداخل الروسي بشكل مباشر.
ومع استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا وإصرار موسكو على مواصلة عملياتها العسكرية، تبدو فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة بعيدة المنال في الوقت الراهن، ما ينذر بمزيد من التصعيد واتساع رقعة الاستهداف المتبادل خلال الفترة المقبلة.










