تقارير استخباراتية تتحدث عن انتشار عسكري إسرائيلي سري بعد الاعتراف بأرض الصومال.. وتحذيرات من تحول القرن الأفريقي إلى ساحة صراع جديدة في الشرق الأوسط
برلين – المنشر الاخبارى
تتسارع التطورات في منطقة القرن الأفريقي على نحو يثير قلقاً متزايداً لدى العواصم الإقليمية، بعدما كشفت تقارير إعلامية عن وجود عسكري إسرائيلي سري داخل إقليم أرض الصومال، في خطوة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية على مستوى العالم.
ففي الوقت الذي تتواصل فيه التوترات الأمنية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، برزت معلومات جديدة تشير إلى أن إسرائيل لم تكتفِ بالاعتراف الرسمي بأرض الصومال كدولة مستقلة، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدماً عبر نشر قوات عسكرية وتوسيع التعاون الأمني والاستخباراتي مع سلطات الإقليم الانفصالي.
وبحسب تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، نقلاً عن مسؤول حكومي صومالي رفيع المستوى، فإن إسرائيل أرسلت قوة عسكرية قوامها نحو 50 جندياً إلى أرض الصومال خلال الأشهر الأولى من عام 2026، وذلك بعد فترة قصيرة من إعلانها الاعتراف الرسمي بالإقليم في ديسمبر/كانون الأول 2025.
جنود من أصول أفريقية
ووفقاً للمصدر الصومالي، فإن القوات الإسرائيلية التي وصلت إلى الإقليم لم تكن عادية، إذ جرى اختيار عناصرها بعناية شديدة.
وقال المسؤول إن أجهزة الاستخبارات الصومالية رصدت أن الجيش الإسرائيلي اعتمد بشكل أساسي على جنود من أصول أفريقية، خصوصاً من اليهود الإثيوبيين، بهدف تقليل فرص اكتشاف وجودهم وإتاحة اندماجهم داخل المجتمع المحلي دون إثارة الانتباه.
وأضاف أن هذه الخطوة تعكس طبيعة المهمة الحساسة التي أوكلت إلى هذه القوات، والتي تتجاوز مجرد الحضور العسكري التقليدي إلى أدوار أمنية واستخباراتية أوسع.
ورغم عدم صدور أي تأكيد رسمي من الجانب الإسرائيلي بشأن هذه المعلومات، فإن سلسلة من التطورات اللاحقة عززت من مصداقية التقارير التي تحدثت عن وجود تعاون أمني عميق بين الطرفين.
اعتراف سياسي تبعه تعاون عسكري
في 17 يونيو/حزيران الجاري، كشف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس للمرة الأولى عن وجود تعاون أمني سري بين إسرائيل وأرض الصومال استمر سنوات طويلة قبل الإعلان عنه رسمياً.
وجاء ذلك خلال لقاء جمعه برئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله في تل أبيب، حيث أكد الوزير الإسرائيلي أن الجانبين نفذا عمليات مشتركة بقيت طي الكتمان لفترة طويلة.
وقال كاتس إن التعاون السابق كان يجري “تحت الرادار”، لكنه أصبح اليوم أكثر وضوحاً وانفتاحاً بعد الاعتراف الرسمي بأرض الصومال.
وأضاف أن إسرائيل تسعى إلى رفع مستوى التعاون الأمني والعسكري مع الإقليم إلى مستويات غير مسبوقة خلال المرحلة المقبلة.
تدريب قوات خاصة في تل أبيب
التصريحات الإسرائيلية تزامنت مع تقارير أخرى تحدثت عن برامج تدريب عسكرية مكثفة لعناصر من قوات أرض الصومال داخل إسرائيل.
ففي مايو/أيار الماضي، كشفت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية أن نحو 50 عنصراً من القوات الخاصة التابعة لأرض الصومال أنهوا دورات تدريبية متقدمة داخل منشآت عسكرية إسرائيلية.
وشملت التدريبات، وفق التقارير، مهارات مكافحة الإرهاب، وحماية المنشآت الحيوية، والعمليات الخاصة، والعمل الاستخباراتي.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل انتقال العلاقة بين الطرفين من مرحلة التنسيق السياسي إلى شراكة أمنية وعسكرية مباشرة.
باب المندب في قلب المعركة
لا يمكن فهم الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بأرض الصومال بعيداً عن الموقع الجغرافي الاستثنائي الذي يتمتع به الإقليم.
فأرض الصومال تقع على الساحل الجنوبي لخليج عدن، وتطل مباشرة على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويعبر عبر هذا المضيق يومياً جزء كبير من تجارة النفط العالمية وحركة الشحن بين آسيا وأوروبا.
كما يمثل المضيق بوابة استراتيجية تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.
وخلال السنوات الأخيرة، تحول باب المندب إلى نقطة توتر متصاعدة بسبب الصراعات الإقليمية وتزايد النشاط العسكري للقوى الدولية.
لذلك ترى إسرائيل أن أي وجود لها في هذه المنطقة يمنحها ميزة استراتيجية مهمة لمراقبة التحركات العسكرية والتجارية في البحر الأحمر.
ميناء بربرة.. الجائزة الكبرى
في قلب هذه الحسابات يبرز ميناء بربرة، أحد أكبر الموانئ الواقعة على خليج عدن.
وتشير تقارير إعلامية غربية وإسرائيلية إلى أن تل أبيب تدرس استخدام الميناء لأغراض لوجستية وعسكرية.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن إسرائيل تبحث إمكانية تحويل بربرة إلى محطة دعم لسفنها الحربية وغواصاتها العاملة في البحر الأحمر.
كما تحدثت تقارير عن دراسة نشر غواصات إسرائيلية من طراز “دولفين” في المنطقة لتعزيز المراقبة البحرية والاستخباراتية.
وتمنح هذه الخطوة إسرائيل قدرة أكبر على متابعة التطورات في البحر الأحمر وخليج عدن وحتى المحيط الهندي.
قاعدة متقدمة نحو إيران؟
تقرير لشبكة “سي إن إن” الأمريكية أشار في وقت سابق إلى أن التعاون الإسرائيلي مع أرض الصومال قد يوفر لتل أبيب منصة استراتيجية متقدمة في القرن الأفريقي.
ووفق التقرير، فإن بعض المنشآت في الإقليم يمكن أن تستخدم كنقاط توقف للطائرات الإسرائيلية خلال الرحلات بعيدة المدى.
ورغم عدم وجود أدلة علنية على استخدام هذه المنشآت في عمليات عسكرية، فإن مجرد وجود مثل هذه الإمكانية يثير اهتماماً واسعاً في الأوساط الأمنية.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه إسرائيل توسيع شبكة حضورها العسكري والاستخباراتي في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط وأفريقيا.
غضب صومالي وعربي
في المقابل، أثارت التحركات الإسرائيلية غضب الحكومة الصومالية التي لا تزال تعتبر أرض الصومال جزءاً لا يتجزأ من أراضيها.
وأكدت مقديشو رفضها القاطع للاعتراف الإسرائيلي بالإقليم، معتبرة أنه انتهاك واضح لوحدة وسيادة الصومال.
كما حذرت من أن مثل هذه الخطوات قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي بأكملها.
ولم يقتصر الرفض على الصومال وحدها.
ففي مايو/أيار الماضي، أدانت مصر والسعودية وتركيا وعدد من الدول العربية والإسلامية خطط أرض الصومال لتطوير علاقاتها مع إسرائيل.
كما رفضت هذه الدول مشروع افتتاح بعثة دبلوماسية لأرض الصومال في القدس، معتبرة الخطوة مخالفة للقانون الدولي.
هل يتحول القرن الأفريقي إلى ساحة صراع جديدة؟
يرى خبراء أن ما يجري في أرض الصومال يتجاوز مجرد إقامة علاقات دبلوماسية بين طرفين.
فالمسألة ترتبط بصراع أوسع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي منطقة باتت تستقطب اهتمام قوى دولية وإقليمية عديدة.
وتحذر تقديرات أمنية من أن التوسع الإسرائيلي في المنطقة قد يدفع أطرافاً أخرى إلى تعزيز وجودها العسكري، الأمر الذي قد يحول القرن الأفريقي إلى ساحة تنافس جيوسياسي مفتوحة.
ومع استمرار الغموض حول حجم الوجود الإسرائيلي الحقيقي في أرض الصومال، تبقى الأسئلة مفتوحة حول أهداف تل أبيب النهائية، وما إذا كانت المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات في واحدة من أكثر بقاع العالم حساسية واستراتيجية.










