أثار الدكتور يوسف زيدان، المؤرخ والروائي المصري المعروف بآرائه النقدية المثيرة للجدل، عاصفة من النقاشات مجدداً حول الموروثات التاريخية المرتبطة بمكة المكرمة.
فقد اعتبر زيدان في تصريحات تليفزيونية أخيرة أن الرواية الشائعة حول محاولة “أبرهة الحبشي” هدم الكعبة قبل ظهور الإسلام لا تمت للواقع التاريخي بصلة، واصفاً إياها بأنها جزء من “اعتقاد شعبي سائد” يناسب العوام ويسعى لإراحتهم عقلياً من خلال تقديم قصص معجزية.
جذور القصة: بين “أبوكريفية” اليهود وواقع اليمن
أوضح زيدان أن الأصل الحقيقي لقصة “أصحاب الفيل” مأخوذ من “الأسفار الأبوكريفية” (الأسفار غير القانونية في اليهودية)، وتحديداً من قصص “المكابيين” وحروبهم ضد السلوقيين الذين استخدموا الفيلة في معاركهم. ولفت إلى أن هذه التفاصيل مدونة في سفر مكون من ثلاثة أجزاء، كان قد شرحه في لقاءات سابقة.
كما نفى زيدان وجود أي صلة جغرافية أو تاريخية لأبرهة، الذي وصفه بـ “القديس الحبشي”، بمكة المكرمة، مشككاً في قدرة الفيلة على قطع مسافات شاسعة عبر الرمال للوصول إلى هدف غير استراتيجي آنذاك.
الحقائق التاريخية مقابل الرواية الدينية
على الرغم من جرأة طرح زيدان، إلا أن الأوساط الأكاديمية والتاريخية تضع آراءه في إطار “النقد المتطرف”، فمن الناحية الأثرية، تُعد شخصية “أبرهة” شخصية تاريخية ثابتة ومثبتة بنقوش سبئية (حميرية) في اليمن، لا سيما نقش (CIH 541) الذي يؤرخ لإصلاح سد مأرب، ونقوش أخرى تؤكد حملاته العسكرية شمالاً.
بينما يرى التقليديون أن القرآن الكريم في “سورة الفيل” أشار إلى حدث تاريخي كان معروفاً للعرب آنذاك، دون الخوض في تفاصيل معجزية لاحقة كاسم الفيل أو عدد الطيور التي جاءت لاحقاً في كتب السيرة النبوية لابن إسحاق وابن هشام. ويجادل المؤرخون بأن ادعاء زيدان بأن القصة “لم تحدث أبداً” هو ادعاء يتجاهل الأدلة الأثرية على حملات أبرهة شمالاً.
إعادة قراءة النص بين المقدس والتاريخي
لم يكتفِ زيدان بنفي الحدث، بل انتقد “التقديس المعاصر” لمكانة الكعبة قبل الإسلام، زاعماً أن القداسة التي تحيط بالمكان اكتسبها مع مجيء الدين الإسلامي.
ودعا إلى ضرورة مراجعة المفاهيم السائدة، ضارباً المثل بحادثة “جهيمان العتيبي” عام 1979 التي شهدت اقتحام الحرم المكي، ليطرح تساؤلات حول علاقة الأمن بالمكان، معتبراً أن النص القرآني الذي يصف البيت بأنه “مثابة للناس وأمناً” يجب أن يُفهم في سياق “الأحكام الخُلقية والقيمية” وليس كوقائع تاريخية حتمية مطلقة.
خلاصة الجدل
يظل رأي يوسف زيدان نقطة تقاطع حادة بين مدرستين: الأولى تتبنى المنهج العلمي التاريخي الذي يبحث في المخطوطات والأسفار القديمة والمصادر المقارنة، والثانية تتبنى المنهج التقليدي الذي يرى في الروايات التاريخية الملحقة بالسيرة جزءاً من الهوية واليقين الديني.
بينما يستمر زيدان في دعوته لمراجعة الأحداث التاريخية المروية، يظل الجدل قائماً حول مدى صحة استبدال الروايات التراثية بتفسيرات نقدية قد لا تستند دائماً إلى مصادر خارجية معاصرة للأحداث، في ظل غياب مصادر بيزنطية أو سريانية تؤرخ بالتفصيل لنهاية حملة أبرهة أمام مكة.










